شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٥ - (اشارة في بيان احتياج المريد إلى الرياضة و بيان أغراضها
و النار و لا يسمع من الهاتف الا الكلمات المحذرة عن الدنيا و المرغبة فى الآخرة ثم اذا صار الوهم و الخيال كذلك أعانا العقل على عمله و أعانهما العقل أيضا على ذلك و لا يزال كل واحد منهما يعين الآخر حتى يصلا الى المقصد الاقصى فلهذا السر ذكر الشيخ ان الغرض من تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة هو أن ينجذب قوى التخيل و الوهم الى التوهمات المناسبة للامر القدسى منصرفة عن التوهمات المناسبة للامر السفلى و أما أسباب هذا التطويع فقد ذكر الشيخ أمورا ثلاثة أولها العبادة المشفوعة بالفكرة و أما العبادة فلان النفس فى أول الرياضة قليلة لالتفات الى الجانب الا على فلا بدّ من سبب مذكر و ما ذاك الا العبادات كما تقدم تقريره و أما كونها مشفوعة بالفكرة فلانه لما كان الغرض من العبادات تذكر تلك المجردات و ذلك مما لا يتأتى الا بالفكرة فلا جرم وجب كون العبادة مشفوعة بالفكرة و ثانيها الالحان و قد تقدم تقريره و ثالثها نفس الكلام الواعظ من قابل ذكى بعبارة بليغة و نغمة رخيمة و سمت رشيد فاعلم ان الكلام الواعظ هو الاصل و أما القيود الأربعة الباقية فهى كالامور الخارجة المتممة و لا بد من شرحها أما كون القابل ذكيا فلان من لم يكن فعله مطابقا لقوله لم يكن لقوله وقع فى القلب لان المؤثر ليس هو القول اللسانى بل القوة النفسانية فاذا لم تقو القوة النفسانية على اصلاح بدنها مع شدة قربها اليه فلان لا تقوى على اصلاح بدن آخر كان أولى و أما كون العبارة بليغة فيجب تقديم تفسير البلاغة و هى فى الاصل عبارة عن بلوغ الرجل بعبارته كنه ما فى ضميره و لا بد مع ذلك من قيد آخر لينتفع به فى مطلوبنا هذا و بيانه و هو ان دلالة الالفاظ كما عرفت اما بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام و قد بينا فى كتاب الاعجاز ان الفصاحة لا تحصل الا من دلالة الالتزام و أيضا فالنفس لكونها من كون جوهر الملائكة مستعلية على جميع الاجسام و الاعراض مستحقرة لها غير ملتفتة اليها بل هى لا تنفعل الا اذا استشعرت جانب اللّه تعالى و تفكرت فى عظمته و لاح له شيء من مبادى جلاله و كبريائه فانها هناك تتلاشى و تضمحل كما قال اللّه تعالى ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب فاذا عرفت ذاك فنقول أو أعبر الانسان عن كمال اللّه تعالى و عظمته فى صفة من الصفات بعبارات دالة عليها بطريق الالتزام دلالة غير موصلة الى كنه المعنى بتمامه بل دلالة مكشوفة من وجه و مبهمة من وجه آخر فبالقدر الذي حصل من الادراك يحصل اللذة و الاستعظام و بالقدر الذي لم يصل اليه و لم يحط به بقى مشتاقا اليه فتحصل هناك لذات نفسانية بسبب الوصول و آلام نفسانية بسبب الشوق الى ما يصل اليه ثم لتعاقب تلك اللذات و الآلام يكون الشعور بها أتم و لاختلاطها يحس بها كالحالة الواحدة الممتزجة من اللذة و الالم فتحصل هناك حالة طيبة شبيهة بالدغدغة مدهشة مطربة مع نوع من الاستعظام و الحيرة و الكلام الواقع على هذا الوجه يكون فى أعلى طبقات الفصاحة و مثاله قوله تعالى و قيل يا أرض ابلعى ماءك و يا سماء اقلعى فانا لو قلنا ان ما فيه من الفصاحة لما فيه من الترصيع فى قوله ابلعى و اقلعى و المطابقة فى قوله و يا سماء و يا أرض لكان ذلك سببا قليلا و الحس السليم و الذوق المستقيم شاهدان بان الروعة التي يجدها منها أكثر كثيرا مما يقتضيه هذا القدر ثم اذا فتشنا وجدنا السبب فيه ما ذكرناه فان لفظة قيل فعل ما لم يسم فاعله مع ان المراد منه هو سبحانه و ذلك مشعر بانة سبحانه فى العظمة و الكبرياء بحيث متى قيل قيل لم ينصرف العقل و الوهم و الفكر و الخيال الا اليه لكون ما عداه بالنسبة اليه كالمعدوم فهذه الكلمة مشعرة بالعظمة من هذا الوجه و ان لم يكن فيها بيان تفصيلى لها حتى لو قلت قال اللّه يا أرض ابلعى ماءك لذهب أكثر تلك الروعة و الفخامة و كذلك قوله تعالى يا أرض و يا سماء مشعر بنفاذ أمره سبحانه و تعالى على هذه الاجسام العظيمة الجليلة و من نفذ أمره فيها كان بالعظمة أجدر فهذا مشعر بنوع آخر من العظمة على الاجمال لا على التفصيل حتى لو صرحنا بذلك التفصيل و قلنا انه تعالى قطع مادة المطر من السماء و جعل الارض باسقة للماء لم يبق شيء من تلك الروعة فاما قوله تعالى خذ العفو و أمر بالعرف و اعرض عن الجاهلين فهو و
ان كان فى غاية الحسن لاشتماله على مجامع الاخلاق الفاضلة لكنها لكونها متناولة لاحوال النفس لا للامور الالهية لم يكن فيها من الروعة ما فى الآية الاولى فظهر بما ذكرنا انه كيف ينبغى أن يكون الكلام بليغا حتى يكون ملائما للنفوس الفاضلة و أكون النغمة رخيمة فقال صاحب الصحاح كلام وخيم أى رقيق و انما يجب أن يكون ذلك لئلا يفرغ الدماغ بقوته و لئلا تشتغل النفس عن غيره لان النفس يشتد اشتغالها بالمدركات القوية و تذهل عن غيرها ثم هاهنا بحث و هو ان الملائم