شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٢ - (تنبيه في بيان ما يمنع النفس عن الانتقاش
فى معدن التخيل و التوهم من لوح الحس المشترك و قريبا مما يجرى بين المرايا المتقابلة)
التفسير قال رضى اللّه عنه لما كان لاستدلال بالقطرة و النقطة لا يدل على احساس الحس المشترك بما لا وجود له فى الخارج البتة و كانت هذه المقدمة لا بد من اثباتها فى المطلوب الذي نحن بصدده لا جرم افتقر الى ذكر دلالة أخرى و تقريرها أن المرضى و الممرورين يشاهدون صورا محسوسة مع أنه لا يراها غيرهم فتلك الصور اما أن تكون معدومة أو موجودة لا جائز أن تكون معدومة لان العدم نفى محض و النفى المحض لا يكون مشاهدا فهى اذن موجودة فاما أن تكون موجودة فى الخارج أولا فى الخارج و الأول باطل و الا لرآها كل من كان سليم الحس فهى اذن غير موجودة فى الخارج فاما أن تكون موجودة فى النفس الناطقة أو فى قوة جسمانية و الأول باطل لان النفس الناطقة لا تدرك الجزئيات و لا ترتسم فيها صور المحسوسات فهى اذن مرتسمة فى قوة جسمانية تبصر المبصرات و هى اما بالقوة الباصرة و هو باطل لان هذا الانسان ربما كان أعمى و لانه ربما شاهد شاهد ذلك بالليل و لان البصر لا يدرك الا الموجود فى الخارج فعلمنا أن فى البدن قوة جسمانية غير القوة الباصرة و هى التي أدركت هذه الصور فثبت بما ذكرنا أن الحس المشترك قد يشاهد صورا لا وجود لها فى الخارج البتة و اذا ثبت أن هذه الصور ما وردت عليه من الخارج وجب أن يكون ورودها عليه من الداخل و ذلك اذا كان فى خزانة الخيال صور مخزونة فاذا انتقلت الى الحس المشترك صارت محسوسة أو تركب القود المتخلية صورا ترتسم تلك الصور فى الحس المشترك و اعلم أنه كما يجوز أن ترتسم صور المحسوسة بالحواس الظاهرة فى الحس المشترك ثم تنتقل الى خزانة الخيال فكذلك لا بأس بان تنتقل الصور الموجودة فى خزانة الخيال أو الصور التي تركبها المتخيلة الى الحس المشترك لان الحال فيها قريب من الحال بين المرايا المتقابلة و لقائل أن يقول قد بينا فيما مضى انكم اذا جوزتم فى الشيء المبصر او المسموع أن لا تكون موجودة فى الخارج كانت السفسطة لازمة لكم بحيث لا يكون لكم عنها محيص
(تنبيه [في بيان ما يمنع النفس عن الانتقاش]
ثم ان هذا الصارف عن هذا الانتقاش شاغلان حسى خارج يشغل لوح الحس المشترك بما يرسمه فيه عن غيره كانه يبزه عن الخيال بزا و يغصبه منه غصبا و عقلى باطن أو وهمى باطن يضبط التخيل على الاعتدال متصرفا فيه بما يعنيه و يشتغل بالاذعان له عن التسلط على الحس المشترك فلا يتمكن من النقش فيه لان حركته ضعيفة لانها تابعه لا متبوعة و اذا شغل أحد الشاغلين بقى شاغل واحد فربما عجز عن الضبط فيتسلط التخيل على الحس المشترك فلوح فيه الصور محسوسة مشاهدة)
التفسير قال رضى اللّه عنه و أرضاه لما بين أن الصور المرتسمة فى التخيل قد تنتقل الى الحس المشترك حتى تصير مشاهدة محسوسة و ان لم تكن موجودة فى الخارج كان لقائل أن يقول لو جاز أن يكون الامر كذلك لوجب أن تصير جميع الصور المتخيلة محسوسة و الا فما الفرق