شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧٩ - (اشارة إلى كيفية وقوع الشر في قضاء الله تعالى
القسم النار فانها لا يمكن كونها موجودة موصوفة بطبيعتها و خاصيتها التي هى منشأ المنافع العظيمة الا و يكون بحيث قد يتأدى فى بعض أحوالها الى أن يحترق بها حيوان و الانسان لا يمكن دخوله فى الوجود على ما هو عليه من نفسه و بدنه و قواه و جوارحه الا و يكون بحيث قد يعرض لبعضهم خطأ فى الهيآت النظرية أو العملية يكون سببا للضرر فى المعاد و أما الاقسام الثلاثة الباقية فهى غير موجودة لانا اذا تأملنا فى أحوال أهل هذا العالم وجدنا السقم و الالم و ان كانا كثيرين لكن الصحة و السلامة أعم و اتم و أكثر و اذا عرفت ذلك ظهر أن الشر داخل فى القضاء الالهى بالعرض يعنى ان الامور التي كانت الخيرية غالبة عليها لما كانت مقصودة لما فيها من الخيرات الغالبة لا جرم وجدت تلك الشرور القليلة اللازمة لها و لو لا كونها لازمة لتلك الخيرات و الا لما وجدت و لقائل أن يقول للفلاسفة ان البحث عن هذه المسألة ساقط عنكم على حسب أصولكم فيكون خرصكم فيه من الفضول و انما قلنا ان البحث ساقط عنكم على حسب أصولكم لان البحث عن هذه المسألة لا يستقيم الا مع القول بان فاعل العالم مختار و مع القول بالحسن و القبح العقليين و أنتم لا تقولون بواحد من هذين الاصلين فاما انه لا بد من القول بالفاعل المختار فلان قول القائل لم وجد الشر فى أفعال اللّه تعالى انما يتوجه اذا كان تعالى مختار يمكنه أن يفعل و أن لا يفعل حتى يقال لم فعل هذا دون ذاك و أما اذا كان موجبا لذاته بحيث يستحيل عقلا أن لا يكون مصدرا لما صدر عنه لم يمكن أن يقال لم فعل هذا دون ذاك لان جوابه هو انه انما وجدت هذه الافعال عنه لان ذاته تعالى كانت موجبة لها لذاته و كان يستحيل فى العقل عدم صدورها عنه سواء كانت تلك الافعال خيرات محضة أو شرورا محضة و أما انه لا بد من القول بالحسن و القبح العقليين لانا بتقدير أن لا نقول بذلك كان الكل حسنا صوابا من اللّه تعالى على ما هو قول الا شعرية و اذا كان كذلك استحال أن يقال لا يجوز من اللّه تعالى فعل الشر و يجب أن يكون فاعلا فثبت ان هذا البحث انما يستقيم على قول المعترفين بهذين الاصلين و هم المعتزلة و أما الذين ينكرونهما كان هذا البحث ساقطا عنهم و كان خوضهم فيه فصولا و للفلاسفة أن يقولوا غرضنا من هذا البحث أمران أحدهما أن نعلم ان مخلوقات اللّه تعالى من أى الاقسام الخمسة المذكورة أى المقصود أن نعلم ان المخلوقات خيرات محضة أو شرور محضه أو ممتزجة و الثاني ان عندنا علم اللّه تعالى بالنظام الاكل علة لوجود ذلك النظام فبينا ان النظام الاكمل كيف هو حتى عرفنا ان ذلك داخل فى الوجود ثم ان نزلنا عن هذا المقام و لكن التقسيم الذي عليه بناء قاعدة الباب على تصور ماهية الخير و الشر فيجب أولا أن نبعث عن ذلك فنقول اشتهر فى السنة الفلاسفة ان الخير هو الوجود و الشر هو العدم و ربما حاولوا الاستدلال عليه ببعض الامثلة مثل ان قالوا انا نحكم على القتل بانه شر لكنا اذا ميزنا ما فيه من الامور الوجودية عما فيه من الامور العدمية وجدنا الشر ليس الا العدميات فاذا نظرنا الى كون القاتل متمكنا من القتل فذلك خير لان القدرة من الكمالات و الخيرات و اذا نظرنا الى كون السكين قطوعا فهو خير لان كمال السكين أن يكون كذلك و اذا نظرنا الى كون العضو قابلا للقطع كان ذلك خيرا فانه لو كان حاسبا لا يتأثر عن السكين كان شرا فاما اذا نظرنا الى فوات حياة المقتول و الى تفريق القتال بدنه وجدناه شرا و معلوم ان هذين الامرين عدميان فعلمنا ان الخير هو الوجود و الشر هو العدم و اعلم