شرح شواهد المغني - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٩٥
كان طرفة بن العبد و خاله المتلمّس و فدا على عمرو بن هند، فنزلا منه خاصة و نادماه، ثم أنهما هجواه بعد ذلك، فكتب لهما كتابين إلى البحرين و قال لهما: إني قد كتبت لكما بصلة، فأشخصا لتقبضاها. فخرجا من عنده، و الكتابان في أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق منكشفا يقضي حاجته، و هو مع ذلك يأكل و يتفلى، فقال أحدهما لصاحبه: هل رأيت أعجب من هذا الشيخ؟ فسمع الشيخ مقالته فقال:
ما ترى من عجبي؟ أخرج خبيثا، و أدخل طيبا، و أقتل عدوّا، و انّ أعجب منّي لمن يحمل حتفه بيده و هو لا يدري. فأوجس المتلمس في نفسه خيفة و ارتاب بكتابه.
و لقيه غلام من الحيرة فقال: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففض خاتم كتابه و دفعه الى الغلام فقرأه عليه، فإذا فيه: اذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه و رجليه و اصلبه حيّا.
فأقبل على طرفة فقال: تعلم و اللّه، لقد كتب فيك بمثل هذا. فلم يلتفت الى قول المتلمس، و ألقى المتلمس كتابه في نهر الحيرة و قال:
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم
أمّا فيصدقهم بذاك الأنفس
أودى الّذي علق الصّحيفة منهما
و نجا، حذار حبائه المتلمّس
أطريفة بن العبد إنّك حائن
أبساحة الملك الهمام تمرّس
ألق الصّحيفة، لا أبالك، إنّه
يخشى عليك من الحباء النّقرس