شرح شواهد المغني - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٢
فحلت عنه امرأة سعد قيوده، و حمل على فرس كان في الدار، و أعطي سلاحا، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله و يدق صلبه، فنظر إليه سعد فجعل يعجب و يقول: من ذا الفارس؟ فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى هزمهم اللّه، فرجع أبو محجن وردّ السلاح و جعل رجليه في القيود كما كان. فجاء سعد فقالت له امرأته، أو أم ولده: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها و يقول لقينا و لقينا حتى بعث اللّه رجلا على فرس أبلق لو لا إني تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبى محجن. فقالت: و اللّه إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا و كذا، و قصت عليه قصته. فدعى به فحل قيوده و قال: لا نجلدك على الخمر أبدا. قال أبو محجن: و أنا و اللّه لا يدخل لي رأسا أبدا، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم فلم يشربها بعد ذلك.
و قال سعيد بن منصور في سننه: ثنا أبو معاوية، ثنا عمرو بن مهاجر، عن إبراهيم ابن محمد بن سعد عن أبيه قال: أتى سعد بأبي محجن يوم القادسية و قد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال: كفى حزنا البيت ... ثم قال لامرأة سعد:
أطلقيني و لك عليّ إن سلمني اللّه أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، و إن قتلت استرحتم مني. فأطلقته فوثب على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدوّ إلا هزمهم، و جعل الناس يقولون هذا ملك لما يرونه يصنع، و جعل سعد يقول: الصبر صبر البلقاء، و الطعن طعن أبى محجن، و أبو محجن في القيد، فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، فأخبرت زوجة سعد سعدا بما كان من أمره فقال سعد: و اللّه لا أضرب اليوم رجلا أبلى اللّه المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلى سبيله. فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام عليّ الحدّ و أطهر منها، فأما الآن فلا و اللّه لا أشربها أبدا.
و في الاستيعاب لابن عبد البر: دخل ابن لأبي محجن على معاوية فقال له معاوية:
أبوك الذي يقول: إذا مت فادفني .. البيتين. فقال: لو شئت ذكرت أحسن من هذا! قال: و ما ذاك؟ قال قوله:
لا تسألي النّاس عن مالي و كثرته
و سائلي النّاس عن حزمي و عن خلقي