شرح ابن عقيل علي الفيه ابن مالك - ابن عقيل - الصفحة ٦٥٤
الباب الخامس فى تقسيم الفعل إلى مؤكد، و غير مؤكد و فيه فصلان
الفصل الأول فى بيان ما يجوز تأكيده، و ما يجب، و ما يمتنع
و الأصل أنك توجّه كلامك إلى المخاطب لتبيّن له ما فى نفسك: خبرا كان، أو طلبا، و قد تعرص لك حال تستدعى أن تبرز ما يتلجلج فى صدرك على صورة التأكيد؛ لتفيد الكلام قوة لا تكون له إذا ذكرته على غير صورة التوكيد، و قد تكفّل علم المعانى ببيان هذه الحالات؛ فليس من شأننا أن نتعرض لبيانها، كما أننا لا نتعرض هنا لما تؤكّد به الجمل الاسميّة.
و فى اللغة العربية لتوكيد الفعل نونان [١]، إحداهما: نون مشددة، كالواقعة
[١] لهذين النونين تأثير فى لفظ الفعل، و تأثير فى معناه: أما تأثيرهما فى لفظه فلأنهما يخرجانه من الإعراب إلى البناء إذا اتصلا به لفظا و تقديرا، و أما تأثيرهما فى معناه فلأن كلا منهما يخلص الفعل المضارع للاستقبال، و يمحضه له، و قد كان قبلهما يحتمل الاستقبال كما يحتمل الحال. و بين النونين فرق؛ فإن الشديدة أقوى دلالة على التأكيد من الخفيفة، لأن تكرير النون قد جعل بمنزلة تكرير التأكيد، فإذا قلت:
«اضربن» بضم الباء و بنون خفيفة فكأنك قد قلت: «اضربوا كلكم» فإذا قلت «اضربن» بضم الباء و تشديد النون فكأنك قد قلت «اضربوا كلكم أجمعون» و قد اختلف العلماء فى هذين النونين على ثلاثة مذاهب؛ أحدها: أن الخفيفة أصل لبساطتها، و الشديدة فرع عنها، الثانى عكس هذا الرأى، الثالث: أن كلا منهما أصل قائم بنفسه، و إليه نذهب.