معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٣ - الحوار بين الحضارات الإلهية
إبراهيم عليه السلام بيتاللَّه الحرام، فأصبحت مدينة مكة المكرمة محوراً حضارياً لكافة المدن في الجزيرة العربية آنذاك.
الحضارة روح وجسد
وبعد كل ذلك علينا الإجابة عن هذا السؤال المهم، والخطير جداً، وهو: ماذا يحدث لو اختلف أفراد الحضارة إختلافاًمعنوياً؟
إن ما يضمن استمرار المدنية هو القيم والمقدسات الصالحة لا غير، وقد جاء في الحديث النبوي المروي عن الإمام الباقر عليه السلام، يقول:
(وإنَّ اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها) [١]
بمعنى أنالبلاد التي تنعدم فيها القيم والقوانين ستتحول بمرور الزمن إلى أرض خاوية، فكان لابد من فكرة وقانون ونظامورؤية وإيمان تحول دون التفكك وتحفظ للمجتمع ذمته واحترامه وأمنه واستمراره في الحياة؛ أي إن الناس إذا اجتمعواوحضروا لمجرد وجود الماء دون إطار قانوني أو محتوى فكري، فإن اجتماعهم هذا سرعان ما ينتهي إلى الاختلاف و التناحر والتفرق والخراب، فتصبح البلاد بلقعاً.
ومن هذه الفكرة استمد علماء التاريخ والحضارة كابن خلدون وتوينبي وآخرون مقولة إن الحضارة أساسها فكرة قبلأن تكون مصلحة مادية، أو إن المصلحة المادية تحتل مرتبة متأخرة عن الأساس الفكري للحضارة.
ونحن نقول: إن الحضارة كلمة طيبة مصدرها اللَّه تبارك وتعالى، لأن اللَّه هو الطيب وهو الخير، وهو الذي يخلق الخيروالجمال، أما الإنسان فهو ربيب الدنيا والشهوة والمصلحة إذ منع على نفسه الخير والجمال.
إذن؛ فالكلمة الطيبة من اللَّه سبحانه وتعالى، واجتماع الناس لابد أن يكون حول شيء ينزل من السماء ليسمو بهم إلىالأعلى، ونسمي ذلك بالمائدة السماوية التي لا
[١] بحار الأنوار، ج ٧١، ص ١٣٥.