معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤ - بصائر الحضارة في سورة المائدة
ويخاف كل شيء، ونراه يعمد إلى تحريم كثير من الطيبات والأرزاق على نفسه، بل إن الأصل عنده هو الحرمة، أما الحلّية فإنها استثناء بالنسبة إليه، ولذلك فإنالناس في ذلك العصر سألوا النبيصلى الله عليه وآله وسلم قائلين: (ماذا أحل لهم) ولم يقولوا: (ماذا حرّم عليهم) لأنهم يعتقدون أن كل شيء حرام باستثناء أشياء معدودة.
أما القرآن الكريم؛ فقد أعطاهم القاعدة العامة في ذلك، فقال:
(قُلْ احِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)،
وقدّم لهم قاعدة:
(كل شيء حلال حتى تعلم أنه حرام)،
شريطة أن تكون (الطيبات) هي المدار في الحلّية، ذلك لأن الإنسان إذا اندفع معتقداً بأن كل شيء حلال فعله يعمّم اعتقاده هذا حتى على الخبائث، وهذا مما لا يجوز، وعليه في هذه الحالة أن يعود إلى عقله وضميره ووجدانه.
وعليه؛ فإن الإقبال على الطيّبات وتجنب المحرمات هما بند أساسي من بنود الحضارة التي أشار إليها تعالى في قوله:
(احِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)؛
أي الاستغلال الصحيح للطبيعة وما فيها، والقرآن الكريم يفتح لنا الآفاق الواسعة فيهذا المجال.
٤/ النظرة الإيجابية إلى المتعة الجنسية
بعد أن يقرر اللَّه سبحانه وتعالى أصل الحلّية في الاستفادة من نعمه، يصل بنا إلى بند آخر هو بند النظرة الإيجابية إلىالمتعة الجنسية. فالإنسان المتحضّر من المفروض فيه أن ينظر نظرة إيجابية إلى متعة الجنس في حدودها الشرعية والطبيعية، في حين نرى أن الإنسان البدائي المنغلق على نفسه يتصور خطأً أن التمتّع مع الجنس الآخر هو جزء من الحرام إلا في حالة الاضطرار، ونحن نرى هذه الظاهرة لدى بعض الديانات إذ تحرّم على رجال الدين ممارسة العلاقة الجنسية.
أما الإسلام؛ فيفتح أمام الإنسان الأفق في هذا المجال موضحاً أن العلاقة الجنسية في حدودها الشرعية لا ضير منها؛ بلإنها تعتبر واجبة في بعض الأحيان كان يشعر الإنسان بأنه سيندفع إلى ارتكاب المحرّم في حالة عدم زواجه.