معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣ - الإيمان والبوعث الحضارية
صومعة في أعلى جبل وترهبن فيها ذاكراً وصائماً، قائماً وقاعداً، متوجهاً إلى البارئ تعالى، فإن هذا العمل سوف يقربه إلى اللَّه سبحانه ويحصل على السعادة الحقيقية.
والفريق الثالث تلحظه تاركاً الآخرة مطلقاً، فهو لا يرى حتى باب المسجد، وقد وضع القيم وآيات الكتاب المجيد وراءظهره، فيهرب من (قيود) قيم السماء كهروبه من الأسد.
إن هذه الفرق والأقسام الثلاثة من الناس كلهم سوف يكونون إدام النار وحطب نار جهنم؛ فالذي يترك أهله ومجتمعهجائعين ويدع أمته عرضة لصولات وجولات العدو المستكبر، ويلتجئ إلى كهف أو صومعة أو .. مثل هذا الإنسانيكون أقرب إلى عدم التقيد والالتزام بحقائق القيم السماوية وإن تمسك وتنسّك بظاهرها وقشورها.
إن اللَّه سبحانه فرض على الناس واجبات وفرائض، كالجهاد والكد على العيال، كما أوجب الأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر .. وهذه الفرائض هي من صميم القيم الإلهية التي سنّها سبحانه لتحقيق سعادة الناس في الدنيا والآخرة معاً.
وفي هذا المجال يروى أن الإمام الحسينعليه السلام لدى خروجه إلى كربلاء دعا بعض أهل المدينة للحاق به والوقوف أمامظلم وفساد يزيد وبني أمية، فأجابه قائلًا: إن صلاة ركعتين في مسجد النبي أثوب عندي من أن أخرج معك!؟ .. إن هذإ؛ الكلام بعيد عن روح الدين وحقائق الواقع، لأن هذه الأماكن المقدسة كمسجد النبي والكعبة المشرفة، لم تسلم أيضاً منجرائم وبطش يزيد وزبانيته حينما اعتدت جيوش يزيد على الكعبة المشرفة ورشقوها بالمنجنيق فأخذ الدم يسيل فيداخل المسجد الحرام، وانتهكت أعراض المؤمنين والمؤمنات في مدينة الرسول، حتى لم تسلم بنت في هذه المدينة حينها من الاعتداء الجنسي!
إن هذا الشخص وأمثاله يتصورون أن مجرد الانصراف لأداء بعض الركعات سوف يضفي قدسيةً على الدين وقيمه، إنهوأمثاله ترك حمل السلاح وجعل فريضة