معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٢ - من أجل حضارة إسلامية
المصطفى. وهي العملية التي لم يتمكن أي قائدعلى مرّ التأريخ من تنفيذها بين أتباعه، فضلًا عن مستوى نجاحها المنقطع النظير، فلقد كان الأنصاري يحرم نفسه منالطعام الذي قد لا يكون يملك سواه لإشباع أخيه المهاجر. وبهذه الأخلاق الحسنة والمصداقية الفائقة كان لهم أنيوصفوا بقول اللَّه تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُالْمُفْلِحُونَ) (الحشر/ ٩). فالفلاح في الدنيا رهين بممارسة هذه الأخلاقيات والاتصاف بهذه الصفات المثلى.
والأرقى من ذلك أن الأنصار قد بنوا أساساً متيناً من النجاح لأجيالهم القادمين، حتى أنها- الأجيال- لم تكن تذكرأسلافها إلّا بما هو خير (وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَابِالإِيمَان) (الحشر/ ١٠) على العكس مما عليه نحن المسلمين في هذا الزمن، حيث ندفع في مرحلتنا الراهنةالغالي والنفيس ثمناً لتراجع وانهيار وهزيمة رجال المرحلة السابقة لمرحلتنا.
أما القرآن الكريم فإنه يريد منا- كمسلمين- أن نصنع التأريخ ونصوّره كوحدة واحدة متكاملة مضمونها الخيروالصلاح والتقدم نحو الأفضل، على الضد من تلكم الصورة التي تلعن فيها الأمةُ الأمةَ التي سبقتها.
فالإيمان إذاً هو تربية الذات والارتقاء بالمجتمع وصناعة التأريخ. أما النفاق؛ فهو ما امتاز أتباعه بالفرقة والتشرذموالفرار من الحقيقة.
يقول ربنا تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَروا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ اخْرِجْتُمْلَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الحشر/ ١١). ومن خلال هذا الاستعراض الرائع؛ يبين اللَّه تعالى حقيقة النفاق والمنافقين، فبنيتهم قائمة على التشرذم والكذبوالغدر، تبعاً إلى أنهم يفتقرون بشكل مطلق إلى أساس يرتكزون عليه. وعلى ضوء ذلك؛ فإن أي إنسان يفتقر إلىقاعدة تربوية صالحة وتنعدم فيه سلوكيات الإيمان محكوم بانتمائه إلى جبهة النفاق والمنافقين؛ وإن كان كثيراً ما يرفععقيرته ويدعي الإسلام والإيمان. وبعد ذلك؛ فلا عجب أن يحل بأمتنا ما حلّ بها من ويلات وهزائم، إذ الواقع المسيطرعليها- إلى نسبة كبيرة- هو واقع النفاق وصفاته والابتعاد عن الإيمان وصفاته المسلّم بها قرآنياً.