معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٦ - العمل طريقنا إلى بناء الحضارة
(الفرقان/ ٦٧). فلا إفراط ولا تفريط ولكننا إذا نظرنا إلى طريقة تعاملنا الاقتصادي في حياتنالوجدنا أن حياتنا بعيدة كل البعد عمّا اختطّه الإسلام، وأراده القرآن لنا، فهي حياة تبذير وإسراف، إذ أن حياةالاقتصاد والإنفاق المعتدل تعني- على سبل المثال- أن لو كان مرتبك الشهري خمسين دولاراً فإن عليك أن تنفقخمسة وعشرين دولاراً منه لاحتياجاتك، وتهب عشر دولارات منه للفقراء والمساكين، وتدّخر الباقي ليوم الحاجة، أما إذا أخذت مرتبك وأنفقته بأكمله، واستقرضت بالإضافة إلى ذلك مبلغاً آخر ولم يكن ذلك من أجل الإنفاق فيسبيل اللَّه، وإنما في سبيل الاستهلاك، فحينئذ ستكون حياتك حياة إسراف وتبذير.
وللأسف فإننا- بصورة عامة- مستهلكون أكثر منا منتجون، في حين أن القرآن يأمرنا أن نعطي أكثر مما نأخذ، وأنننتج أكثر مما نستهلك، كما تشعر بذلك الآية التي تقول: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاًوَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الُمحْسِنِينَ) (الأعراف/ ٥٦). فحياتنا العملية قائمة على أساس الإسرافوالتبذير، ولعل طريقة تعاملنا مع الماء الذي نتوضأ به، والطعام الذي نأكله، والملابس التي نرتديها، وسائر الأدواتوالأمتعة التي نقتنيها ونستعملها، ليست طريقة إصلاح؛ بل هي طريقة إفساد. وبمعنى آخر؛ فإن حياتنا استهلاكية رغمإننا ندّعي بأننا دعاة إلى اللَّه سبحانه، وأدلاء إلى سبيله، ومبلّغون لرسالاته، فما بالك بالأشخاص العاديين!
أهمية معرفة لغة القرآن
إننا نحمل اليوم رسالات أنبياء اللَّه على عواتقنا، وما علينا سوى أن نصوغ شخصياتنا بهذه الرسالات المقدسة قبل أننصوغ شخصيات الآخرين بها، وأهم أمر في صياغة أنفسنا أن نبدأ من تعرّفنا على لغة القرآن العميقة، وكيفية تطبيقهاعلى أنفسنا؛ فعندما تخاطبنا آيات الذكر تذكّرنا بأن أي عمل يقوم به الإنسان يُجزَ به، وإن كان مثقال ذرة: (وَمَنيَعْمَل مِثْقالَ ذَرَّة خَيراً يَره، ومَن يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّة شَراً يَرَه) (الزلزلة/ ٨- ٧).