معالم الحضارة الإسلامية آفاق و تطلعات - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٦ - بين الحضارة الإسلامية والمدنية الغربية
وعندما أشرق الإسلام في سماء هذه الدنيا لم يعمل على تقليص وتحديد ظاهرة الاستعباد والاسترقاق فحسب، بل راحيرفع من قيمة العبيد في بعض الأحيان حتى أن قيمة العبيد كانت تفوق قيمة الأحرار في بعض الموارد الفقهية، فالمعروففي الفقه- مثلًا- أن المرأة الحرّة لا تحل لزوجها إذا ما طلقت ثلاثاً حتى تنكح زوجاً آخر بصريح الآية الكريمة: (فإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (البقرة/ ٢٣٠)، أما بالنسبة إلى الأمة فإن الطلاقمرتان، وبذلك نجد أن حكم هذه الأمة أهم، ونفعها أعظم، وحقها أكبر من حق الحرة.
الحكمة من استمرار الرق
ويبقى السؤال: لماذا الرق، وما الحكمة من استمراره في الإسلام؟ يجرّنا هذا إلى التفكير بالحرب، والقوة، وأبعاد هذهالقوة عبر التاريخ، وبدافع هذا التفكير ننتبه إلى حقيقة مرّة، وهي أن العبودية قد ألغيت في ظاهر الأمر في عالم اليوم كماتنصّ على ذلك وثيقة الأمم المتحدة بهذا الصدد، ولعل بدايات هذا الإلغاء كانت على يد الزعيم الأمريكي (ابراهام لنكولن)، ولكن واقع الأمر أن هذا الاسترقاق قد انتقل من الطور الفردي إلى الطور الجماعي، فبدلًا من أن يعمد الاستعمار إلى استرقاق الأفراد مضى يسترق الشعوب، حتى غدت شعوب الأرض مستعبدة منقبل دولة واحدة تفرض حكمها ورأيها على الجميع.
الرق الجديد
وأنا أذكر في هذا المجال أن هناك وثيقة صدرت عن البنتاغون تتحدث عن النفوذ الأمريكي ومصيره بعد فترة ما بعدالحرب الباردة، وسقوط الشرق، وكان عنوان هذه الوثيقة على شكل استفهام يقول: كيف تحافظ أميركا على مركز القوةالعظمى في العالم كله؟! وتتألف هذه الوثيقة من خمس وأربعين صفحة، خلاصتها أن أميركا لابد من أن تحافظ على قوتهاوجبروتها كي تبقى شرطيّ العالم كلّه، وتتحكم بمصائر ومقدرات شعوبه وبلدانه، ولا تسمح لأية دولة- مهما كانت وفيأي منطقة من