مقاصد السور - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٣ - ٧٥- سورة القيامة دور القيامة في تعميق الإيمان
ورميما. هل يحسب أن قدرة الله محدودة مثله؟ كلا .. قدرته تفوق تصور البشر .. فهو ليس قادرا على جمع عظامه وحسب، وإنما يقدر أن يسوي بنانه أيضا، والإنسان حينما يراجع نفسه ويتفكر في آيات قدرة الله في الطبيعة فإنه يعرف تلك الحقيقة، ولكنه إنما يخترع تلك الأفكار تبريرا للهروب من عرصة المسؤولية، والإيمان بالرسالة التي تحدد تصرفاته ولا تجعله مطلقا يتبع الهوى كما يريد .. ويؤكد القرآن مرة أخرى أن هذه هي الخلفية الحقيقية لسؤاله عن القيامة (الآيات: ٣- ٦).
ويداوي ربنا هذا المرض المستعصي في النفس البشرية بالتأكيد للإنسان أنه وإن استطاع مؤقتا (في الدنيا) تبرير ضلاله والفرار من المسؤولية تحت غطائه فإنه لن يجد في المستقبل مفرًّا من ربه حينما تقوم القيامة فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَ خَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وعبر قنطرة الدنيا الفانية إلى دار الاستقرار عند الله، فهنالك يجد نفسه وجها إلى وجه مع حقيقة أمره حيث يجد ما عمل محضرا أمامه (الآيات: ٧- ١٣).
ويثير الوحي فينا حس النقد الذاتي، عن طريق تذكيرنا بحقيقة وجدانية مُسَلَّمة، ألا وهي بصيرة الإنسان على نفسه، فإنه قبل الآخرين شاهد عليها وعالم بواقعها، مهما توسَّل بالأعذار والتبريرات الواهية، وإنما يؤكد القرآن هذه الحقيقة لأن المراقبة الذاتية أعظم أثرا، وأرسخ للتقوى في شخصية الفرد (الآيات: ١٤- ١٥).
ثم ينعطف السياق إلى الحديث عن القرآن نفسه، داعيا الرسول إلى عدم التعجل به من قبل أن يُقضى إليه وَحْيُه، مؤكدا تكفله تعالى بجمعه وقرآنه ثم بيانه للناس .. وهذا مما جعل المفسرين يتحيرون في فهم العلاقة بين سياق السورة وبين هذا المقطع، إلا أن هناك علاقة متينة سنتعرض لإيضاحها في البينات (الآيات: ١٦- ١٩).
وتهدينا الآيات إلى واحد من عوامل الانحراف وعدم تحمل المسؤولية عند الإنسان، والذي لو استطاع التغلب عليه لاهتدى إلى الحق، وسقط الحجاب بينه وبين الآخرة، ألا وهو حب العاجلة (الدنيا) على حساب الآخرة، والبحث عن النتائج الآنية وإنكار الجزاء الآجل ولو كان الأفضل، بل ولو كان مصيريًّا بالنسبة إليه، فهو يعيش لحظته الراهنة دون التفكير في المستقبل، وهي نظرة ضيقة خطيرة. وحين يفشل الإنسان في الموازنة بين الحاضر والمستقبل، وبين الدنيا والآخرة فإنه يخسرهما معا (الآيات: ٢٠- ٢١).