بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٨٤
ونحن نعلم أيضا أن النبوة المستثناة لم تكن بموسى [١] ، وإذا ساغ استثناء النبوة من جملة ما اقتضى اللفظ مع أنها لم تكن بموسى بطل أن يكون اللفظ متناولا لما وجب من جهة موسى من المنازل [٢].
وأما الذي يدل على أن اللفظ يوجب حصول جميع المنازل إلا ما أخرجه الاستثناء وما جرى مجراه [٣] وإن لم يكن من ألفاظ العموم الموجبة للاشتمال والاستغراق ولا كان أيضا من مذهبنا أن في اللفظ المستغرق للجنس على سبيل الوجوب لفظا موضوعا [٤] له فهو أن دخول الاستثناء في اللفظ الذي يقتضي على سبيل الاجمال أشياء كثيرة متى صدر من حكيم يريد البيان والافهام ، دليل على أن ما يقتضيه اللفظ ويحتمله بعد ما خرج بالاستثناء مراد بالخطاب وداخل ما تحته ، ويصير دخول الاستثناء كالقرينة أو الدلالة التي توجب الاستغراق والشمول ، يدل على صحة ما ذكروه أن الحكيم منا إذا قال : من دخل داري اكرمه إلا زيدا ، فهمنا من كلامه بدخول الاستثناء أن من عدا زيد مراد بالقول ، لانه لو لم يكن مرادا لوجب استثناؤه مع إرادة الافهام والبيان ، وهذا وجه.
ووجه آخر وهو أنا وجدنا الناس في هذا الخبر على فرقتين : منهم من ذهب إلى أن المراد منزلة واحدة لاجل السبب الذي يدعون خروج الخبر عليه ، ولاجل عهد أو عرف ، والفرقة الاخرى تذهب إلى عموم القول لجميع ما هو منزلة هارون من موسى بعد ما أخرج الدليل ، على اختلافهم في تفصيل المنازل وتعيينها ، وهؤلاء هم الشيعة وأكثر مخالفيهم ، لان القول الاول لم يذهب إليه إلا الواحد والاثنان ، وإنما يمتنع من خالف الشيعة من إيجاب كون أمير المؤمنين صلوات الله عليه خليفة للنبي بعده ، حيث لم يثبت عندهم أن هارون لو بقي بعد موسى لخلفه ، ولا أن ذلك مما يصح أن يعد في جملة منازله ، فكان كل من ذهب إلى أن اللفظ يصح تعديه المنزلة الواحدة ذهب إلى
[١]بل هو أمر الهى يؤتيه من يشاء من عباده المخلصين.
[٢]لانه على هذا الفرض لم تكن النبوة داخلة رأسا حتى يحتاج إلى الاستثناء.
[٣]وهو العقل وفهم العرب حيث يخرج الاخوة النسبية كما بين سابقا.
[٤]كذا في النسخ والمصدر ، ولا يخلو عن اغلاق واضطراب.