بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٤٣
أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة وعطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم التصريح به ولغيره لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلا المعنى الاول [١] ، يبين صحة ما ذكرناه أن أحدهم إذا قال مقبلا على جماعة مفهما وله عدة عبيد : « ألستم عارفين بعبدي فلان؟ » ثم قال عاطفا على كلامه : « فاشهدوا أن عبدي حر لوجه الله » لم يجز أن يريد بقوله : « عبدي » بعد أن قدم ما قدمه إلا العبد الذي سماه في أول كلامه دون غيره من سائر عبيده ، ومتى أراد سواه كان عندهم لغوا خارجا من طريق البيان.
ثم اعترض بأن ما ذكرتم من المثال إنما يقبح أن يريد غير ما مهده سابقا من العبيد [٢] لانه حينئذ تكون المقدمة لغوا لا فائدة فيها ، وليس الامر في خبر الغدير كذلك ، لانه يمكن أن يكون المعنى : إذا كنت أولى بكم وكانت طاعتي واجبة عليكم فافعلوا كذا وكذا ، فإنه من جملة ما آمركم فيه بطاعتي ، وهذه عادة الحكماء فيما يلزمونه من يجب عليه طاعتهم ، فافترق الامران ، ثم أجاب بأنه لو كان الامر على ما ذكرت لوجب أن يكون متى حصل في المثال الذي أوردناه فائدة لمقدمته وإن قلت أن يحسن ما حكمناه بقبحه ووافقتنا عليه ، ونحن نعلم أن القائل إذا أقبل على جماعة فقال : « ألستم تعرفون صديقي زيدا الذي كنت ابتعت منه عبدي فلانا الذي صفته كذا وكذا وأشهدناكم على أنفسنا بالمبايعة؟ فاشهدوا أني قد وهبت له عبدي أو قد رددت إليه عبدي » لم يجز أن يريد بالكلام الثاني إلا لعبد الذي سماه وعينه في صلب الكلام [٣]
[١]المصرح به.
[٢]متعلق بقوله « يريد » وقد ذكر في المصدر قبل هذا الاعتراض اعتراضا آخر ، وحاصله أن لفظة « أولى » لم تتكرر في الحديث كما تكررت لفظة « عبد » في المثال ، نعم لو قال في الحديث ايضا ثانيا « فمن كنت أولى به من نفسه فهذا أولى به من نفسه » لتم الاستدلال ، ولكن قال فيه « فمن كنت مولاه فهذا مولاه » فيمكن أن يريد به غير ما أراد من الجملة الاولى ، بخلاف المثال فانه لا يمكن فيه ذلك لتكرر اللفظ بعينه ، فافترق الامران. واجاب عن هذا الاعتراض بما حاصله أن الفرق غير حاصل بين الامرين ، فان في المثال ايضا قد ذكرت لفظة « عبد » أولا موصولة بقوله « فلان » وموصوفة بصفة لم تذكر هذه الصفة ثانية ، فصارت كأنها لفظة اخرى يحتمل ما تقدم ويحتمل غيره ، وجرت مجرى لفظة « مولى » من خبر الغدير في احتمالها لما تقدم ولغيره ، فلا فرق بين الامرين.
[٣]في المصدر : في صدر الكلام.