بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٢٦
ويحتمل أن يكون المولى العاقبة قال الله عزوجل : « مأواكم النار هي مولاكم » [١] أي عاقبتكم وما يؤول بكم الحال إليه ، ويحتمل أن يكون المولى ما يلي الشئ مثل خلفه ، وقدامه ، قال الشاعر :
فغدت ، كلا الفرجين تحسب أنه
مولى المخافة خلفها وأمامها
ولم نجد أيضا شيئا من هذه الاوجه يجوز أن يكون النبي ٩ عناه بقوله : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه » لانه لا يجوز أن يقول : من كنت ابن عمه فعلي ابن عمه ، لان ذلك معروف معلوم وتكريره على المسلمين عبث بلا فائدة ، وليس يجوز أن يعني به عاقبة أمرهم ولا خلف ولا قدام لانه لا معنى له ولا فائدة ، ووجدنا اللغة تجيز أن يقول الرجل : « فلان مولاي » إذا كان مالك طاعته ، فكان هذا هو المعنى الذي عناه النبي ٩ بقول : « من كنت مولاه فعلي مولاه » لان الاقسام التي يحتملها اللغة لم يجز أن يعنيها بما بيناه ، ولم يبق قسم غير هذا ، فوجب أن يكون هو الذي عناه بقوله : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه » ومما يؤكد ذلك قوله ٩ : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » ثم قال : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه » فدل ذلك على أن معنى « مولى » [٢] هو أنه أولى بهم من أنفسهم ، لان المشهور في اللغة والعرف أن الرجل إذا قال لرجل : إنك أولى بي من نفسي فقد جعله مطاعا آمر عليه ، ولا يجوز أن يعصيه ، وأنا لو أخذنا بيعة على رجل وأقر بأنا أولى به من نفسه لم يكن له أن يخالفنا في شئ نأمره به [٣] ، لانه إن خالفنا بطل معنى إقراره بأنا أولى به من نفسه ، ولان العرب أيضا إذا أمر منهم إنسان إنسانا بشئ وأخذه بالعمل به وكان له أن يعصيه فعصاه قال له : يا هذا أنا أولى بنفسي منك إن لي أن أفعل بها ما اريد وليس ذلك لك مني ، فإذا كان قول الانسان : « أنا أولى بنفسي منك » يوجب له أن يفعل بنفسه ما يشاء إذا كان في الحقيقة أولى بنفسه من غيره ، وجب لمن هو أولى بنفسه منه أن يفعل به ما يشاء ولا يكون له أن يخالفه ولا يعصيه إذا كان ذلك كذلك.
[١]سورة الحديد : ١٥.
[٢]في المصدر و ( م ) على أن معنى مولاه اه.
[٣]في المصدر : في شئ مما نأمره به.