الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد - الفاضل المقداد - الصفحة ٥٨
من كان كذلك كان عالما بالضّرورة.
أقول: من صفاته الثّبوتيّة: كونه تعالى عالما، و العالم،
هو: المبيّن للأشياء تبيينا يصحّ معه إيقاع الفعل متقنا محكما، و معنى الفعل المحكم،
هو: الفعل الّذي يكون مطابقا للمنفعة المقصودة منه، أو الّذي يترتّب أثره عليه؛ كما
يقال: هذه سكّين محكمة، بمعنى: أنّها مطابقة للمنفعة المقصودة منها، و هي: قطع ما تلاقيه،
أو: قلم محكم، بمعنى: انّه مطابق للمنفعة المقصودة منه، و هي: الكتابة، و ترتيب أثر
كلّ واحد منهما عليه، و هو: القطع و الكتابة. و كذلك إذا قلنا: هذه كتابه متقنة، بمعنى
أنّها على الوجه المرتّب [١]، المصطلح عليه.
و الدّليل [على] انّه تعالى عالم: هو أن نقول [٢]: الباري
تعالى صدر عنه أفعال محكمة متقنة [٣]، و كلّ من صدر عنه [أفعال محكمة متقنة] [٤]، يجب
أن يكون عالما؛ فالباري يجب أن يكون عالما، فها هنا مقدّمتان:
[١] «ج»: المترتّب.
[٢] «ج»: يقول.
[٣] اختلفوا: هل يفعل اللّه لغرض و حكمة، أو يفعل دون أيّ موجب للفعل؟
قال الأشاعرة: يستحيل أن تكون أفعال اللّه معلّلة بالأغراض و المقاصد. و استدلّوا:
أوّلا: بأنّ اللّه لا يجب عليه شيء، و لا يقبح منه شيء، إذن لا يجب أن يكون لفعله غرض، كما أنّه لا يقبح منه الفعل بلا غرض.
ثانيا: انّه لو فعل لغرض، من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، لكان محتاجا إلى استكمال ذاته بتحصيل الغرض، و اللّه سبحانه يستحيل عليه الاحتياج.
و قال الإماميّة و المعتزلة: إنّ كلّ فعل لا يقع لغرض، فهو عبث، و اللّه منزّه عن العبث و اللّغو. أمّا قول الأشاعرة بأنّ الفعل لغرض يستدعي الاحتياج و النّقصان، فجوابه: أنّ هذا يتمّ لو كان الغرض و النّفع عائدا إلى اللّه، أمّا إذا عاد إلى العبد و نظام الكائنات حسبما تقتضيه المصلحة، فلا يلزم شيء من ذلك، و قد جاء في الآية ١٦ من سورة الأنبياء: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ». معالم الفلسفة الإسلاميّة: ١٠٣.
[٤] «ج»: فعل متقن محكم.