الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد - الفاضل المقداد - الصفحة ٤٩
بها إلى معرفة الأشياء أربعة: إمّا ضرورة، أو خبر، أو
حسّ، أو نظر، و كلّ من الثّلاثة الاوّل لا يصلح أن يكون طريقا إلى المعرفة، فتعيّن
الرّابع.
أمّا أنّه تعالى لا يكون معلوما بالضّرورة؛ فلوجهين:
الأوّل: انّ الحكم المعلوم بالضّرورة من شأنه أنّ العاقل
إذا تصوّر طرفيه جزم بالحكم من غير توقّف و لا طلب دليل، و ليس كذلك العلم به تعالى،
و إلّا لما طلب الدّليل على ذلك.
الثّاني: انّ من شأن المعلوم بالضّرورة اتّفاق العقلاء
فيه، و قد وقع الخلاف بينهم فيه تعالى، فإنّ [١] طائفة من النّاس نفوا الصّانع [٢]؛
كما حكى اللّه تعالى [عنهم في قوله تعالى] [٣]: «وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا
الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ» [٤].
و باقي العقلاء أثبتوا الصّانع، ثمّ اختلفوا فيه؛ فمنهم
من اعتقد كونه جسما، و منهم من اعتقد كونه ليس بجسم.
و الّذين نفوا عنه الجسميّة؛ منهم [٥] من اعتقد أنّ له
صفات زائدة على ذاته، قديمة كقدمه؛ و منهم من نفى عنه ذلك، و قال: إنّ صفاته غير زائدة
على ذاته؛ فلا يكون معلوما بالضّرورة.
و أمّا أنّه لا يكون معلوما بالحسّ أو الخبر؛ فلأنّ كلّ
واحد منهما إنّما يكون طريقا إلى العلم بالمحسوسات، و الباري تعالى ليس بمحسوس- لما
يأتي- فلم يبق إلّا أن يكون الطّريق إلى معرفته النّظر.
[١] «ج»: لأنّ.
[٢] و هم: الكفرة و الملاحدة.
[٣] «ج»: في قوله عنهم.
[٤] الجاثية: ٢٤.
[٥] «ج»: فمنهم.