الإنحرافات الكبرى - سعيد أيوب - الصفحة ٥٤ - الأوائل والطوفان أعلام تحقير الانسان
يأتيه عذاب يخزيه ؟ نحن أو أنتم ؟ - والمراد به عذاب الاستئصال في الدنيا - ويحل عليه عذاب مقيم - أي ينزل عليه عذاب ثابت لازم لا يفارق . وهو عذاب النار في الآخرة [٧١] .
لقد قذفهم بعذابين الأول موصوف بالخزي والثاني موصوف بالإقامة [٧٢] قذفهم بالعذاب القادم لا محالة بعد أن تتابعوا عليه جماعة بعد جماعة ، يسخرون منه لأنه يصنع الفلك على وجه الأرض من غير ماء . وكان عليه السلام يصنع الفلك على مرأى منهم وفي ممر عام . لقد كان الصنع بوحي من الله وكان في الصنع معجزة ، ولكن القوم لم يجدوا في عالمهم وثقافتهم سوى السخرية والتحقير والانتقاص . وظلوا على هذا الحال . حتى جاء اليوم الأليم . وفار التنور . وبدأ نوح عليه السلام يحمل في السفينة من آمن به . وما آمن بالله مع نوح إلا قليل . وحمل عليه السلام معه من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين اثنين ، وكان القوم يشاهدون حركة نوح والذين آمنوا معه في اتجاه السفينة . فلا تزيدهم الحركة إلا سخرية . فلم يكن الذين كفروا يعلمون ماذا يعني بالنسبة لهم فوران التنور . وما إن استقر الذين آمنوا مع نوح عليه السلام على ظهر السفينة .
حتى لاحت بوادر غضب الله على الذين كفروا . فالسماء بدأت تزمجر إعلانا ليوم الغضب . وانهمر الماء من كل مكان . يقول تعالى :
( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ) [٧٣] قال المفسرون : صبت السماء الماء صبا بلا قطر ، صبا متواليا كأنه مدخر وراء باب مسدود ثم فتح هذا الباب ، فانصب أشد ما يكون أما الأرض فجعلها عيونا متفجرة عن الماء . تجري جريانا متوافقا متتابعا . فالتقى ماء السماء مع ماء الأرض على أهداف محددة ، تنفيذا لأمر قدره الله تعالى ، من غير نقص ولا زيادة ولا عجل ولا مهل . وفي هذا الهول قال نوح عليه السلام :
( بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ) [٧٤] قال المفسرون : قوله
[٧١] الميزان : ٢٢٥ / ١٠ .
[٧٢] ابن كثير : ٤٤٥ / ٢ .
[٧٣] سورة القمر ، الآيتان : ١١ - ١٢ .
[٧٤] سورة هود ، ا لآية : ٤١ .