الإنحرافات الكبرى - سعيد أيوب - الصفحة ٢٠٩ - آل فرعون جيش بلا قبور إنحراف الدولة
موسى عليه السلام في معنى رسالته قادحا فيها ، فتلقى الجواب بما كان فيه إفحامه ، أخذ يكلمه في خصوص مرسله فاستوضحه : ( وما رب العالمين ) ؟
فجاءته الإجابة : ( قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) [٨٣] وكانت هذه صفعة للعقيدة المصرية القديمة . فالقوم كانوا يعتبرون ( أوزير ) إلها للموتى وأيضا للخصب ، و ( رع ) إلها في السماء ! وكل مذهب وكل فرقة قامت بتقسيم آلهتها في السماء والأرض وما بينهما . لهذا كانت إجابة موسى ، كفأس إبراهيم عليه السلام التي أطاحت برقاب الأوثان في معامل الانحراف ، لقد سأل فرعون عن رب العالمين ، فوضع موسى ( السماوات والأرض وما بينهما ) مكان العالمين ثم قال : ( إن كتم موقنين ) أي أن رب العالمين هو الذي يوقن الموقنون بربوبيته لجميع السماوات والأرض وما بينهما . إذا نظروا إليها وشاهدوا وحدة التدبير الذي فيها .
وأمام هذه الصفعة التي أطاحت بعقائد الفراعنة التي سهروا من أجلها قرونا طويلة نظر فرعون إلى من حوله ( قال لمن حول ألا تستمعون ) [٨٤] ؟ قال المفسرون : أي ألا تصغون إلى ما يقوله موسى ؟ والاستفهام للتعجب ، يريد أن يصغوا إليه فيتعجبوا من قوله . . وعندما لفت فرعون أنظار مجموعة عمله إلى ما يقوله موسى ، جاءه الجواب مرة ثانية من موسى : ( قال ربكم ورب آبائكم الأولين ) [٨٥] والفراعنة على امتداد تاريخهم لم يتفقوا على معبود واحد . فطبقة منهم عبدت قديما الإله ( حور ) في بداية الأسرات ، ثم انعقدت العبادة للإله ( رع ) منذ أواسط الدولة القديمة ، ثم انتقلت الرئاسة للإله ( آمون ) في الدولة الوسطى . ثم ( آمون رع ) في بداية الدولة الحديثة التي كان من أهم رموزها فرعون موسى [٨٦] لهذا جاء جواب موسى عليه السلام ، جوابا ناسفا للبداية والنهاية معا . لقد أجاب أنه ليس في الوجود إلا رب واحد للإنسانية وهو رب العالمين الذي أرسلني إليكم ، وأمام حجج التحطيم التي يقذف بها موسى عليه
[٨٣] سورة الشعراء ، الآية : ٢٤ .
[٨٤] سورة الشعراء ، الآية : ٢٥ .
[٨٥] سورة الشعراء ، الآية : ٢٦ .
[٨٦] تاريخ الجوع والخوف / للمؤلف .