الإمام علي (عليه السلام) سيرة وتأريخ - الموسوي، اسلام - الصفحة ١٠٨ - غدير خُمٍّ
العلماء طرقه ـ كما رأينا سابقاً ـ لكنَّه لاقى من التأويل والكتمان ما لم يبلغه خبر قبله ولا بعده!
فصاحب ( البداية والنهاية ) على سبيل المثال ـ مع كل ما جمعه من طرق هذا الحديث ومصادره ـ يصرّ على اختزال دلالته إلى ردّ شكاوى نفر من الصحابة ، وفدوا معه من اليمن ، وكانوا على خطأ ، وهو على الصواب ، فيقول ابن كثير عن هذا الحديث : « فبيّن فيه فضل علي وبراءة عرضه ممّا كان تكلّم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن ، بسبب ما كان صدر منه إليهم » إلى قوله : « وذكر من فضل علي وامانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثيرة من الناس منه » [١].
والالتواء والتحميل واضحان جداً في ما ذهب إليه ابن كثير وغيره هنا [٢] ، فشكاوى هؤلاء النفر كان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قد ردّها في محلّها وأمام شهودها ، وبيّن فيها ما يمكن أن يبيّنه ، وقد أوردها ابن كثير كلّها. فأمرها لا يستدعي جمع كلّ الحجيج الذين بلغوا مئة ألف أو يزيدون!! ولا يستدعي أيضاً التأخير كل هذا الوقت ، منذ أول وفودهم مكة ، وحتى انقضاء الحج وعودتهم من مكة صوب أوطانهم! إنه تحميل كبير لا يرتضيه ناقد له فقه بالأخبار والسيرة ، لكنها مشكلة الركون لما استقر في أذهانهم ، بفعل الواقع السياسي الذي جانب هذا الحديث الشريف ودلالاته الناصعة.
وأقل ما يقال في تأويل ابن كثير ومن ذهب مذهبه إنهم خلطوا ، إن لم
[١] البداية والنهاية ٥ : ١٨٣ ـ ١٨٩.
[٢] في مناقشة دعاوى ابن كثير ، راجع : منهج في الانتماء المذهبي : ٩٥ ـ ١٢٤.