سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٥٤٠ - فتنة خلق القرآن
والأدب وباحثاً ثاقب الرأي قد أبدى رغبة وميلاً منذ شبابه إلى الاعتزال، ودافع عن فكرة خلق القرآن، وكان الفقهاء يخشون من أن يصبح هو الخليفة ويشيع هذه العقيدة ،لدرجة انّ الفضيل بن عياض كان يقول علانية:
ادعوا اللّه أن يطيل في عمر هارون ليريحني من شر خلافة المأمون.[١]
وقد كان توقعهم في محله، فقد تبنّى المأمون المذهب المعتزلي ونظرية خلق القرآن رسمياً بعد وصوله إلى الخلافة واستخدم سلطته وسطوته في قمع المعارضين لهذا الرأي، ولأنّ المخالفين الذين كانوا يعرفون في تلك الفترة بأهل السنّة يبدون صموداً ومقاومة، وصلت الأزمة إلى أوجها، وخرجت المسألة عن كونها بحثاً علمياً دينياً، وتحولت إلى قضية سياسية عقائدية مثيرة للقلاقل، وأصبحت حديث الساعة حتى صار عوام الناس تتناولها بحرارة.
وفي سنة ٢١٨ أصدر المأمون أمراً إلى إسحاق بن إبراهيم عامله على بغداد بأن يمتحن ويختبر جميع القضاة والشهود والمحدثين ورجال الدولة، فمن أقرّ بخلق القرآن أُبقي على ما كان عليه وإلاّفيعزل.[٢]
وعرف هذا الأمر الذي كان نوعاً من تفتيش العقائد وفحصها بمِحنة[٣]خلق القرآن في التاريخ.
والذي كان يحثّ المأمون وبعده المعتصم والواثق العباسيين على الخوض في ذلك هو ابن أبي دؤاد القاضي الشهير لبلاط بني العباس الذي أصبح قاضي القضاة بعد يحيى بن أكثم، وقد كان يتمتع بصيت وشهرة علمية ويقارنونه بالبرامكة في الجود والكرم والسلطة والنفوذ في بلاط العباسيين، ولعب دوراً كبيراً
[١]تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان:٣/٢١٤.
[٢]الكامل في التاريخ:٦/٤٢٣; تاريخ الخلفاء:٣٠٨.
[٣]المحنة تعني الامتحان.