سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٥٣٩ - فتنة خلق القرآن
بالصفات الإلهية وخالفوا قدمه كما يدعيه الأشاعرة وأهل الحديث، فنشب النزاع بين النظريتين على أشدّما يمكن.
وقد بدأ البحث حول خلق القرآن ـ كما يقول المحقّقون ـ منذ نهايات الحكم الأموي[١](بدايات القرن الثاني)، وأوّل من عرض هذا البحث في الأوساط الإسلامية هو جَعْد بن درهم أُستاذ مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، وقد أخذ هذه الفكرة من أبان بن سمعان، وأخذها الأخير من طالوت بن أعصم اليهودي أيضاً. أصبح جعد بعد ذلك مطارداً وفر إلى الكوفة وهناك نقل فكرته هذه إلى جهم بن صفوان الترمذي.[٢]
ويعتقد البعض بأنّ فكرة قدم القرآن قد تسربت إلى المجتمع الإسلامي من المسيحية، لأنّهم كانوا يؤمنون بأنّ المسيح كلمة اللّه وبالتالي يرون كلام اللّه ـ و هو من اللّه ـ قديماً أيضاً. وممّا يؤيد هذا الرأي انّ المأمون وفي بيان أصدره إلى إسحاق بن إبراهيم حاكم بغداد في هذا الموضوع يتهم الأشاعرة بأنّهم قالوا في القرآن بمثل ما قاله النصارى.
وعلى أي حال تابع بشر المريسي الذي يقال انّه يهودي الأصل هذا البحث في عهد هارون، وأخذ يشيع هذه الفكرة ـ فكرة خلق القرآن ـ مدة أربعين عاماً، ولمّا سمع انّ هارون قد سمع ما قاله وهدّده بالموت غياباً ابتعد عن الأنظار، وقد استمر هذا البحث بين الطرفين حتى جاء المأمون وأقحم نفسه فيه، فأصبحت نار الاختلاف أكثر اشتعالاً، وهو الذي كان عالماً خبيراً وعلى معرفة بالفلسفة والفقه
[١] راجع حول خلق القرآن و الجذور التاريخية لهذه المسألة كتاب الكامل في التاريخ:٧/٧٥.
[٢]وقد قتل خالد بن عبد اللّه القسري جعداً يوم عيد الأضحى في الكوفة بسبب ذلك كأضحية، وقتل جهم على يد سالم بن أحوز عام ١٢٨ في مرو. (ضحى الإسلام:٣/١٦٢)، ولعلّ هذا هو الذي جعل أحمد بن حنبل حامل لواء أهل الحديث أن يعتبر أصحاب خلق القرآن كفّاراً وجهميّين.