سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٥٢٠ - انفضاض مجلس اللهو والشراب
وكان المتوكل جالساً مجلس الشراب، فأُدخل عليه الإمام والكأس في يده، فلمّا رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس التي كانت في يده.
فقال: «واللّه ما خامر لحمي ودمي قط، فاعفني» فأعفاه.
فقال: أنشدني شعراً.
فقال الإمام:« أنا قليل الرواية للشعر».
فقال: لابدّ، فأنشده الإمام ـ عليه السَّلام ـ :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * فاودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرّة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت منعّمة * من دونها تضرب الأستار والكلل؟
فافصح القبر عنهم حين ساء لهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وطالما عمّروا دوراً لتحصنهم * ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادّخروا * فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت منازلهم قفراً معطلة * وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
فأثّر على المتوكل حتى بلت لحيته دموع عينه وبكى الحاضرون، وأمر المتوكل برفع الشراب، وقدّم للإمام أربعة آلاف درهم، وردّه إلى منزله مكرّماً.[١]
[١]مروج الذهب:٤/١١; نور الأبصار:١٦٦; تذكرة الخواص: ٣٦١; وفيات الأعيان، ابن خلكان:٣/٢٧٢; مآثر الإنافة في معالم الخلافة:١/٢٣٢، ويوجد بعض الاختلاف في عدد الأبيات بين المؤرّخين.