سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٢٥٧ - رسالة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ القاصعة إلى الزهري
ظلم الظلمة انّك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك، ودنوت ممّن لم يردّعلى أحد حقاً ولم ترد باطلاً حين أدناك، وأحببت من حادّ اللّه.
أو ليس بدعائه إيّاك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسُلّماً إلى ضلالتهم، داعياً إلى غيّهم سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلاّدون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم.
فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك.
وما أيسر ما عمروا لك، فكيف ما خرّبوا عليك.
فانظر لنفسك فانّه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول، وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً، فما أخوفني أن تكون كما قال اللّه في كتابه: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا). [١]
إنّك لست في دار مقام أنت في دار قد آذنت برحيل فما بقاء المرء بعد قرنائه؟! طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يابؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعد، احذر فقد نبّئت، وبادر فقد أُجلت، انّك تعامل من لا يجهل، وانّ الذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسب انّي أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك، لكنّي أردت أن ينعش اللّه ما قد فات من رأيك، ويرد إليك ما عزب من دينك، وذكرت قول اللّه تعالى في كتابه: (وَذكِّر فانَّ الذكرى تَنفع المؤمنين) .[٢]
[١]الأعراف: ١٦٩.
[٢]الذاريات: ٥٥.