سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ١٧٠ - الف أهل البيت بعيداً عن نكبة الحرّة
وعند وصول أخبار هذه الأحداث إلى الشام أرسل يزيد جيشاً لقمع أهالي المدينة، و قلد «مسلّم بن عُقْبَة» ـ و كان طاعناً في السن ـ قيادة الجيش، وحاصر مسلم المدينة ولم يكن باستطاعتهم الاستمرار في الصمود فاستسلموا، فأخذ جيش الشام يقتل الناس وينكل بهم، ولم يدخر وسعاً في اقتراف أنواع القبائح والجرائم، فلم يسلم من طائلة سيوفهم الرجال الأتقياء والمؤمنون والمتهجدون، ولم يتركوا حرمة لم يهتكوها، ولم تأمن امرأة ولا فتاة من اعتداء هؤلاء الهمج.[١]
وقد أطلق على هذه المأساة اسم واقعة الحرة، هذا وقد ظل بيت الإمام زين العابدين و بيوت بني هاشم مأمونة من الاعتداء، ولهذا لاذ العشرات من عوائل المسلمين ببيته ـ عليه السَّلام ـ أبّان الحصار ونجوا.
وكتب الطبري: لما بعث يزيد مسلم بن عقبة إلى المدينة قال له : إنّ علي بن الحسين ليس منهم فأكرمه .[٢]
و كتب الشيخ المفيد: إنّ مسلم بن عقبة لما قدم المدينة أرسل إلى علي بن الحسين فأتاه، فلما صار إليه قربه وأكرمه و قال له: أوصاني أمير المؤمنين ببرّك وصلتك وتمييزك عن غيرك، فجزاه خيراً ثمّ قال لمن حوله: أسرجوا له بغلتي، و قال له: انصرف إلى أهلك، فإنّي أرى أن قد أفزعناهم وأتعبناك بمشيك إلينا، ولو كان بأيدينا ما نقوى به على صلتك بقدر حقّك لوصلناك.[٣]
وممّا لا شكّ فيه هو انّ أحد الأسباب التي تكمن وراء سلوك مسلم ـ و هذا ما سنتحدث عنه في سيرة الإمام الرابع ـ هو أنّ الإمام السجاد قد عزل نفسه ولم يشارك الثائرين في ثورتهم، ومن المؤكد أيضاً انّ سلطة يزيد دفعت ثمن قتل
[١]تاريخ تحليلى إسلام، الشهيدي، ص ١٧٠.
[٢]تاريخ الطبري:٧/٤٢١.
[٣]الإرشاد، ص ٢٦٠.