سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٢٥٨ - رسالة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ القاصعة إلى الزهري
أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب؟!
انظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت؟ أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه؟ أم هل تراهم ذكرت خيراً علموه وعلمت شيئاً جهلوه، بل خطيت بما حلّ من حالك في صدور العامة وكلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك، إن أحللت أحلّوا، وإن حرّمت حرّموا، وليس ذلك عندك ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم.
أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة وما الناس فيه من البلاء والفتنة؟! قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت أيدركوا به مثل الذي أدركت؟ فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره فاللّه لنا ولك وهو المستعان.
أمّا بعد فأعرض عن كلّ ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم لاصقة بطونهم بظهورهم ليس بينهم وبين اللّه حجاب ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها، رغبوا فطلبوا فما لبثوا ان لحقوا، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنّك ورسوخ علمك وحضور أجلك[١]; فكيف يسلم الحدث في سنّه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله؟!
إنّا للّه وإنّا إليه راجعون على من المعول؟ وعند من المستعتب؟ نشكو إلى اللّه
[١]لو فرض انّ الإمام كتب رسالته تلك في أواخر عمره مع الأخذ بنظر الاعتبار انّ الزهري ولد عام ٥٨هـ وانّ الإمام استشهد عام ٩٤ أو ٩٥، فسنّ الزهري في ذلك الزمان لم يتجاوز ٣٦ سنة ولم يبلغ مرحلة الكهولة بعد، وهنا نطرح عدّة احتمالات: أحدها انّ الزهري ولد قبل عام ٥٨هـ، وانّ تاريخ ولادته قد صُحف، فقد كتب ابن خلكان انّ تاريخ ولادته عام ٥١هـ وكتب الذهبي انّه عام ٥٠هـ.