سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٢٣٦ - تفسّخ أخلاق الأُمّة
والانحطاط الخلقي ذروته في عهد يزيد لدرجة انّ مدينتيّ مكة والمدينة المقدّستين لم تكونا مصونتين من هذه الظواهر الملوّثة.
كتب المسعودي: وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيّامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب.[١]
وقد استمر هذا الوضع حتى أيّام عبد الملك أيضاً، وأضاف شوقي ضيف ـ بعد أن بيّن ازدياد الفوارق الطبقية والارستقراطية والرفاهية في مكة والمدينة ـ قائلاً:
كأنّ مدينتي الحجاز هاتين بنيتا لأجل المغنّين والمطربين، وقد وصل الحال فيها لأن يرتاد الفقهاء والنساك مجالسهم فضلاً عن الناس العاديّين.[٢]
وكان القاضي أبو يوسف يقول لبعض أهل المدينة: ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها.[٣]
وصلت بيئة المدينة حداً من الاهتمام بالغناء بحيث لا ينكره عالمهم، ولا يدفعه عابدهم.[٤]
وقد شهد مرة دحمان المغني الشهير عند عبد العزيز المخزومي قاضي يثرب ـ المدينة ـ لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق، فأجاز القاضي شهادته وعدله.
فقال له العراقي: إنّه دحمان؟! فقال عبد العزيز: أعرفه ولو كنت جهلته
[١]مروج الذهب:٣/٦٧.
[٢]تاريخ الأدب العربي، العصر العباسي:٢/٣٤٧. وبالطبع فانّ هذا الاتجاه الذي كان سائداً عند الفقهاء والزهّاد ـ خلافاً للشيعة ـ له جذور في الإسلام الذي يصب في مصالح خلفاء الجور، ويبتعد عن تعاليم القرآن و أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ ، ومع الأسف فمازالت آثاره باقية في بعض مجتمعات أهل السنة .
[٣]العقد الفريد:٦/١١; حياة الإمام زين العابدينـ عليه السَّلام ـ :٢/٤٠٩.
[٤]الاغاني:٨/٢٢٥.