سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٣١٥ - رسالة توحيد المفضّل
وحدّثنا في ذكر الأصل الذي نمشي له، ثمّ راحا يتحدثان عن مبدأ العالم، وانتهيا إلى حيث إنّه لا صانع ولا مدبّر لهذا العالم، بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبّر، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال.
قال المفضّل: فلمّا سمعت هذا الكلام الباطل من ذلك المطرود من رحمة اللّه لم أملك نفسي غضباً وغيظاً وحنقاً، فقلت: يا عدو اللّه ألحدت في دين اللّه وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصوّرك في أتم صورة، ونقلك في أحوالك حتى بلغ إلى حيث انتهيت، فلو تفكّرت في نفسك وصدقك لطيف حسّك، لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده جلّ وتقدّس في خلقك واضحة، وبراهينه لك لائحة.
فقال ابن أبي العوجاء: يا هذا إن كنت من أهل الكلام ـ وهم الذين يبحثون في العقائد ويعلمونها والمتمرسون في البحث والجدل ـ كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادل فينا، ولا تعدّى في جوابنا، وانّه الحليم الرزين العاقل الرصين لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا، ويصغي إلينا، ويتعرّف حجتنا، حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننا انّا قطعناه، دحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير، يلزمنا به الحجة ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه رداً، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.
قال المفضل فخرجت من المسجد محزوناً مفكّراً فيما بلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، فدخلت على مولاي الصادق ـ عليه السَّلام ـ فرآني منكسراً فقال: «مالك؟» فأخبرته بما سمعت من الدهريين.
فقال: «يا مفضّل لألقين عليك من حكمة الباري جلّ وعلا وتقدّس اسمه في خلق العالم والسباع والبهائم والطير والهوام و كلّ ذي روح من الأنعام والنبات والشجرة