سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٣٩٢ - هارون رجل متعدّد الشخصيات
عسيراً في الوهلة الأُولى، لكنّه ونظراً إلى طبيعة الإنسان يتضح انّ هذا ليس ممكناً فقط، بل انّ كثيراًمن الناس يعانون من ذلك، ونحن اليوم نقرأ في كتب علم النفس انّه من الممكن وبسهولة أن تنتاب الإنسان المشاعر الكاذبة والنزوات والرغبات الغير المستقرة والملتهبة، أي أن يكون حسّاساً وعديم المشاعر في الوقت ذاته، وصادقاً وكاذباً، ومخلصاً ومخادعاً حتى مع نفسه في آن واحد، وهذه الأضداد ليس اجتماعها في الإنسان أمر ممكن فحسب، بل انّها من خصوصيات عالمي الشعور واللا شعور في النفس البشرية.[١]
إنّ لهذا الصنف من الناس مشاعر زائفة ومتضادة، ولهذا السبب لا يتمتعون بسلوك متوازن، فانّهم في الوقت الذي يتشبّثون فيه بالبذخ والارستقراطية تراودهم نزعات زهدية صوفية، وتشغل التعاليم الدينية قسماً من فكرهم بينما يكون القسم الآخر منه مسرحاً لطلب اللذة والخلاعة والمجون ،وإذا مرّوا بالمسجد صدفة يقفون في صفوف العبّاد، وكلّما وقعت عينهم على حانات الخمور لا يتعدّونها دون ارتشاف خمرتها، فمرة يضطهدون وأُخرى يذرفون دموع العطف والإشفاق.
ويحتفظ التاريخ لنا بنماذج لهذا الصنف من الناس ممّن لهم شخصيات متعددة والتي منهم شخصية هارون الرشيد.
ولد هارون في بلاط الخلافة وقد اعتاد منذ الصغر على اللهو والمجون والخلاعة، وكان ميالاً بطبيعته إلى طلب الملذّات والارستقراطية واللهث وراءها ، ومن ناحية أُخرى كانت البيئة الإسلامية ومكانته توجب أن يكون شخصية مسلمة ملتزمة بتعاليم الإسلام، ومن هنا كانت شخصيته خليطاً من الصفات
[١]آنسوى چهرهها ، الدكتور ناصر الدين صاحب الزماني، ص ٣١.