الدر المنضود - ابن طي الفقعاني - الصفحة ١٨
صورة خط المحقق الفقيد السيد عبد العزيز الطباطبائي ( ره ) في الدفتر التذكاري لمكتبة مدرسة إمام العصر ( عج ) العلمية - شيراز
[ ١ ]
سلسلة مخطوطات مكتبة مدرسة إمام العصر ( عج ) العلمية ( ١ ) الدر المنضود في معرفة صيغ النيات والايقاعات والعقود تأليف زين الدين أبو القاسم علي بن علي بن محمد بن طي الفقعاني ( ٨٥٥ ه . ق ) منشورات مكتبة مدرسة إمام العصر ( عج ) العلمية بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ( ١ ) الحمدلله الذي هدانا بلطفه إلى سبيل الصواب ، وجعل النية والعمل الصالح سبيلا إلى تحصيل الثواب ، وألهمنا مصالح الدين والدنيا ليتم نظام النوع في المبدأ والمآب ، وصلى الله على محمد سيد رسله ، المفضل على جميع أولي الألباب ، الناطق بالحكمة والصادع ( ٢ ) بالصواب ، وعلى آله المخصوصين بالطهارة ( ٣ ) في الذوات والأنساب ، وأصحابه المقتفين أمره ونهيه ، صلاة تتعاقب عليهم تعاقب الآنات والأحقاب ( ٤ ) . ١ - في ( ع ) : رب تمم بالسعادة . ٢ - الصدع هو : الأمر بقوة . ( ابن المؤلف ) ٣ - أي : بآية التطهير ، وهي : إنما يريد الله . . . . ( ابن المؤلف ) ٤ - جمع حقب وهو : ثمانون سنة . ( ابن المؤلف )
[ ٢ ]
وبعد ( ١ ) : فإن دلالة العقل والنقل متطابقة ( ٢ ) على شرف العلوم الشرعية ، وتحصيل مقاصدها وحقائقها متوقف على القصد والنية . فأشار إلي من إشارته لازبة ( ٣ ) ، وطاعته علي واجبة ، أن أجمع له رسالة في علم الشريعة ، متضمنة لأحكام النيات وصيغها ( ٤ ) ، وصيغ العقود والإيقاعات ، وكل عبادة ( ٥ ) تحتاج إليها في الشرعيات . فأجبت إشارته العالية ، وامتثلت أوامره الماضية ، وكتبت هذه الرسالة ، تقربا إلى الله الكريم ، ورغبة في ثوابه الجسيم ، وتوكلت في ذلك على الواحد الديان ، فبه المستعان ، وعليه التكلان ، وسميتها : الدر المنضود في معرفة صيغ النيات ، والإيقاعات ، والعقود ( ٦ ) . ورتبتها على عدة كتب : ١ - في ( ت ) : أما بعد . ٢ - في ( ق ) : مطابقة . ٣ - أي : لازمة ، في ( ت ، ق ، م ) : لازمة . ٤ - في ( ت ، ق ، م ) : صيغتها . ٥ - في ( ع ) : عبارة . ٦ - إنما قدم لفظ الإيقاعات على العقود - وإن كانت العقود متقدمة في وضع الكتاب - ليتم سجع الكلام ، فالواو ليس للترتيب . ( ابن المؤلف )
[ ٣ ]
كتاب الطهارة وهي لغة : النزاهة والنظافة . وشرعا : استعمال طهور مشروط بالنية ( ١ ) ، وتصدق ( ٢ ) على غيرذلك مجازا . وأقسامها ثلاثة : وضوء ، وغسل ، وتيمم . [ القسم ] الأول : الوضوء ، وهو : واجب وندب . وأسبابه : البول ، والغائط ، والريح من المعتاد ، والنوم الغالب للحاستين ، ومزيل العقل ، والاستحاضة القليلة . فالواجب بحسب غايته ، وهي : الصلاة ، والطواف ، ومس خط المصحف . ولا يجب لنفسه قطعا ، وقد يجب بنذر ، أو عهد ، أو يمين . فلو خلا المكلف من أسباب الوجوب ، نوى الندب . وتجب الصلاة والطواف بالأصل ، أو النذر وشبهه ، أو التحمل . ١ - يشمل هذا التعريف جميع أنواع الطهارة ، ويخرج باشتراط النية غسل اليدين والثوب من النجاسة . ( ابن المؤلف ) ٢ - أي : الطهارة تصدق على غير ما ذكر مجازا ، كإزالة النجاسة . ( ابن المؤلف ) .
[ ٤ ]
و [ يجب ] المس برؤية غلط في المصحف - إذا توقف الإصلاح على المس - ولا يختص المس بباطن الكف ، بل يحرم بجميع أجزاء البدن ، فلو مس بظاهر الكف أو الزند أو اللسان أو الوجه - غير متطهر - ، أثم . ويجب على الولي منع الصبي من مس الكتابة ، على الأقوى ، وقيل : لا ، لكونه غير مخاطب . وأفعاله : [ ١ ] - النية : المشتملة على جنس الفعل ، وفصوله كالوجوب أو الندب ، وخواصه كالرفع والاستباحة والقربة ، مستدامة الحكم إلى الفراغ ( ١ ) . [ ٢ ] - وغسل الوجه من القصاص إلى المحادر طولا ، وعرضا ما اشتملت عليه الإبهام والوسطى . [ ٣ ] - وغسل اليدين من المرفقين إلى رؤوس الأصابع ، بادئا بالمرفقين . [ ٤ ] - ومسح الرأس . [ ٥ ] - ومسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى أصل الساق . [ ٦ ] - والترتيب . [ ٧ ] - والموالاة . ونيته : أتوضأ لاستباحة الصلاة ، لوجوبه ، قربة إلى الله . ويجوز للمختار - وهو غير السلس ، والمبطون ، والمستحاضة - إبدال الاستباحة بالرفع ، وضمهما معا ، وصفته : أتوضأ لرفع الحدث ، لوجوبه ، قربة إلى الله ، أو : أتوضأ لرفع الحدث واستباحة الصلاة ، لوجوبه ، قربة إلى الله . ١ - المراد باستدامة الحكم : عدم الإتيان بالمنافي ، وقيل : تجديد العزم كلما ذكر . ( ابن المؤلف ) .
[ ٥ ]
ويجوز أن ينوي استباحة كل مشروط بالطهارة - كمس خط المصحف والطواف - إذا أراد فعل ذلك ، ولو لم يرده احتمل الجواز ، لأن الشارع جعله غاية ( ١ ) ، ويحتمل العدم ، لأن نية فعل غير مقصود الفعل كالعابث به . والأول اختيار فخر المحققين ( ٢ ) ، فإنه قال في فتاويه : " لو نوى استباحة الطواف وهو ببغداد ، جاز " ، وهو جيد ، وإن كان الثاني أحوط . وكذا يجوز أن ينوي استباحة صلاة معينة ، ما لم ينف غيرها ، ولو نفى غيرها ، بطل على الأقوى ، لتلاعبه حينئذ بالطهارة ، إلا في موضع لا يستبيح للمتوضئ ( ٣ ) بالوضوء إلا صلاة واحدة - كالسلس ، والمبطون ، والمستحاضة - فإن النية تجزئ ، لأنه نوى الواقع في التكليف . ونية الوضوء المنذور : أتوضأ لوجوبه بالنذر ، قربة إلى الله . وله ضم ( ٤ ) الرفع أو الاستباحة أيضا ، قاله ابن فهد ( رحمه الله ) ( ٥ ) . وقال الشهيد ( رحمه الله ) : " ينصرف النذر إلى الوضوء الرافع ، فلا بد من ضم الرفع أو الاستباحة " ( ٦ ) ، وهو أولى . ويتفرع على القولين : ما لو عين الوضوء بوقت ، فاتفق فيه متطهرا . ١ - في ( ت ، م ) : غايته . ٢ - الفخرية في معرفة النية : ص ٣٧ . ٣ - في ( ع ) : للمتوضئ . ٤ - وحينئذ ، تستبيح به الدخول في مشروطه لا مع الإطلاق . ( ابن المؤلف ) ٥ - الموجز الحاوي ، سلسلة الينابيع الفقهية : ج ٢٦ ، ص ٤١٤ ٦ - في البيان ص ٣٦ : إن أطلق الطهارة ، فالأقرب حملها على المائية الرافعة للحدث والمبيحة للصلاة .
[ ٦ ]
فعلى الأول : يجب التجديد لأنه طاعة في نفسه ، إذ وضوء على وضوء نور على نور ( ١ ) . وعلى الثاني : لا يجب لعدم إفادته ، ولا يجب الحدث لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط ، وحينئذ ، يسقط الوضوء ، لأن وجوبه مشروط بالحدث . والتجديد أحوط ، لبراءة الذمة معه يقينا . فائدتان : [ الأولى ] : إذا عين النذر بوقت ، تعين ووجب فعل الوضوء فيه ، ولو فاته بتفريط ، فإن كان غير متكرر ، كفر عن النذر وقضى ، على الأقوى ( ٢ ) ، وإن ( ٣ ) أطلق ، فوقته مدة العمر ، وتتضيق بظن الوفاة ، فحينئذ لو أخر ، أثم . ولا يتحقق وجوب الكفارة ، والحال هذه ما دام حيا . نعم ، لو مات وجبت في ماله ، ولو ظن عدم الوفاة فحصلت ، احتمل الكفارة لظهور فساد ظنه ، والعدم لجواز التأخير شرعا ، وهو جيد . الثانية : في وجه وجوب النية وفي بيان حقيقتها . أما الأول - وهو وجه الوجوب - : فدليله العقل والنقل . أما العقل : فلأن الأفعال الصادرة من الفاعل تحتمل وجوها كثيرة ، لا يختص أحدها إلا بالنية ، كضربة اليتيم ، فإنها إن صدرت على وجه التأديب لمستحقه ( ٤ ) ، كانت حسنة ، وإن وقعت على سبيل الظلم ، كانت قبيحة . ١ - الوسائل : ج ١ ص ٣٧٧ الحديث ٨ . ٢ - ولو كان متكررا ، لم يتحقق الفوات إلا بما يتحقق به في الموسع . ( ابن المؤلف ) ٣ - في ( ت ، ق ، م ) : فإن . ٤ - في ( ت ، ق ، م ) : بمستحقه .
[ ٧ ]
أما النقل : فلقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ( ١ ) ، والإخلاص إنما يتحقق بالنية . وقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ( ٢ ) . وروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الحديث القدسي ( ٣ ) : من عمل لي عملا أشرك فيه غيري ، تركته لشريكه ( ٤ ) . وهي معتبرة في كل عبادة ، إلا النظر المعرف لوجوب معرفة الله تعالى ، وإرادة الطاعة . وأما الثاني - وهو بيان الحقيقة - : فاعلم ، أن النية هي : إرادة إيجاد الفعل على الوجه المأمور به شرعا ، كذا ذكره الفاضل في القواعد ( ٥ ) ، وهو تعريف لمطلق النية ، فالإرادة جنس والباقي كالفصل ، ويخرج بإيجاد الفعل الترك ، فإنه لا يحتاج إلى نية ، وقوله : " على الوجه ، إلى آخره " ، يخرج به الإرادة اللغوية ، ويدخل فيه اشتراط التقرب ، وهو فعل العبادة خالصة لله وحده . فلو نوى الريا بطلت قطعا ، وكذا لو ضمه ، على الأصح . ولو ضم التبرد ، أو التسخن ، أو التنظيف ، أو التحسين ، فقولان ، والأقوى البطلان في الجميع لعدم الإخلاص ، وكذا لو قصد تحصيل الثواب أو دفع العقاب ، وكذا لو فعله حياء ( ٦ ) . ١ - البينة : ٥ . ٢ - الوسائل : ١ ج ص ٤٨ حديث ٧ . ٣ - الحديث القدسي : هو ما سمع من غير مخاطبة ملك . ( ابن المؤلف ) ٤ - القواعد والفوائد : ج ١ ص ٧٥ . ٥ - قواعد الأحكام ، سلسلة الينابيع الفقهية : ج ٢ ص ٦٤٨ . ٦ - في ( ق ) : حبا .
[ ٨ ]
أما لو فعل العبادة حبا لله ، ومهابة له ( ١ ) ، أو موافقة لأمره ، أجزأت . نعم ، لو جعل الثواب والعقاب ، أو الحياء ( ٢ ) ، باعثا على فعل العبادة لم يضر قطعا ، لأن الكتاب والسنة قاطعان بذلك لمن تأملهما . ولو ضم نية الوجوب والندب بطل ، لتنافي الوجهين ، على الأقوى . واعلم أن في قول الفاضل ( رحمه الله ) " إرادة " إشارة إلى فائدة ، هي : أن الشارع لم يضع للنية لفظا معينا يجب إتباعه بخصوصه ، بل ما اشتمل ( ٣ ) على المعنى المقصود - وهو جمع الهمة ، وبعث النفس ، وتوجهها وميلها إلى ما فيه ثواب - تلفظ بذلك أم لا ( ٤ ) ، وكل ما يذكر في كتب العلماء ، فإنما ( ٥ ) هو على سبيل التعليم . واعلم أن ما قدمناه ( ٦ ) من صفة النية ، فإنما هي للمختار ، كما عرفت . أما السلس ، والمبطون ، والمستحاضة ، فالمشهور في عبارة العلماء تعين نية الاستباحة ، ولا يجوز نية رفع الحدث ، لاستمراره . وفي رسالة الشهيد ( رحمه الله ) : جوز ضم الرفع إلى الاستباحة ، فكأنه جعله ضميمة غير منافية ( ٧ ) . ١ - أي : إجلالا . ( ابن المؤلف ) ٢ - في ( ت ، ق ، م ) : الحب . ٣ - في ( ت ، م ) : ( مشتمل ) مكان ( ما اشتمل ) . ٤ - بل لو فرض تلفظه بذلك وألهم غيره ، كان اللفظ لغوا . ( ابن المؤلف ) ٥ - في ( ع ) : إنما . ٦ - في ( ت ، ق ، م ) : قدمنا . ٧ - الألفية : ص ٤٣ .
[ ٩ ]
وفي قواعده ( ١ ) جوز نية الرفع منفردة ، لأن المراد من نية رفع الحدث شرعا ، رفع المانع - وهو متحقق في الجميع - وإلا لم يجز الدخول في الصلاة به - مثلا - بل لا يصح رفع الواقع ، لأنه محال ، وهذا المذهب قوي في النظر ، بل على هذا يجوز نية رفع الحدث في التيمم ، لحصول رفع المانع به ( ٢ ) ، وقد أشار إليه الشهيد في شرح رسالته ، فليتأمل ثمة . والندب بحسب غايته أيضا ، وهو كثير ، والمهم منه : الوضوء لندب الصلاة والطواف ، وقراءة القرآن ، ودخول المساجد ( ٣ ) ، وحمل المصحف ، وصلاة الجنازة ، وتكفين الميت ، وزيارة القبور ، ونوم الجنب ، وجماع المحتلم ، وجماع الحامل مطلقا ( ٤ ) ، والسعي في الحاجة ، وذكر الحائض ، والتجديد ، والكون على طهارة . واعلم ، أن استحباب الوضوء في الصلاة المندوبة لا يخرجه عن الشرطية ( ٥ ) ، فلا يجوز فعلها بدونه ، بل معناه : إن أراد الصلاة ، تطهر ندبا ، وإلا تركها لعدم شرعية الصلاة بغير طهارة ، مطلقا ، بخلاف البواقي ، فإن الطهارة فيها للفضيلة خاصة ، فيصح فعلها بدونها ، نعم هي مع الطهارة أفضل ، بمعنى كثرة ثوابها على ثواب فاقدها . ١ - القواعد والفوائد : ج ١ ص ٨٠ . ٢ - أثبتنا ( به ) من ( ع ) . ٣ - في ( ت ، م ) : المسجد . ٤ - سواء كان محتلما أو لا . ( ابن المؤلف ) ٥ - في ( ت ، م ) : الشرط .
[ ١٠ ]
ثم الفعل إن كان يشترط ( ١ ) فيه رفع الحدث أو الاستباحة - كالصلاة المندوبة - نوى ذلك . وصفته : أتوضأ لاستباحة الصلاة ، أو : لرفع الحدث ، لندبه ، قربة إلى الله . ويجوز ضمهما ( ٢ ) . وإن كان لا يشترط ( ٣ ) فيه ذلك ، كفى في نيته ذكر السبب . وصفته : أتوضأ لدخول المسجد ، لندبه ، قربة إلى الله ، أتوضأ لتلاوة القرآن ، لندبه ، قربة إلى الله ، وكذا البواقي . ولا بد من تعينه كما ذكرنا ، ولا يكفي الإطلاق - وهو أتوضأ لندبه ، قربة إلى الله - لعدم ذكر الخصوصية ، وإذا عين فعلا ، لم يكف عن غيره . ولو نوى رفع الحدث ، كفى عن الكل ، وقيل : لا بد في المندوب من الرفع حيث يمكن ، ومع تعذره ينصرف إلى الصورة وتعيين سببه . ومحل النية : عند غسل يديه المستحب للوضوء ، ثم عند المضمضة ( ٤ ) ، ثم عند الاستنشاق ، ثم خلالهما ، ثم عند أول جزء من أعلا الوجه مقارنة له ، وتتضيق حينئذ ويستديم حكمها إلى الفراغ . وفي تقييد غسل يديه " بالمستحب للوضوء " فائدة ، هي : أنه لو كان الغسل واجبا ، كإزالة النجاسة ، أو حراما ، كقصور الماء عنه ، أو مكروها ١ - في ( ت ، ق ، م ) : شرط . ٢ - في ( ت ، م ) : ضمها . ٣ - في ( ت ، ق ، م ) : لا شرط . ٤ - أراد بقوله " عند المضمضة " : ابتدائها ، و " عند الاستنشاق " : ابتدائه ، [ و ] بقوله " خلالهما " أي : أثنائهما ، كما لو نوى عند الثانية أو الثالثة . ( ابن المؤلف ) .
[ ١١ ]
كخوف عوزه ، أو مباحا خاصة ، كالغسل من غير الإناء ، أو مستحبا لغير الوضوء ، كالأكل والاستنجاء ، لم يجز تقديم النية حينئذ . والنية عند هذه الأفعال ، كالواجب المخير ، فينوي الوجوب في أي محل فعلها ( ١ ) ، وكذا حكم نية الأغسال أجمع . [ القسم ] الثاني : الغسل ، وهو واجب وندب . والواجب : إما بأصل الشرع وهو ستة : غسل الجنابة ، والحيض ، والاستحاضة ، والنفاس ، وغسل الميت ، ومسه بعد برده قبل غسله . أو لا بأصل الشرع ، فبالنذر ، أو العهد ، أو اليمين . والقسم الأول - أعني الواجب بأصل الشرع - : منه ، ما يجب لنفسه قطعا ، وهو غسل الميت ، قاله فخر المحققين ( ٢ ) ، ولقائل أن يقول : إنه ( ٣ ) لغيره من الأفعال المشروطة به ، وإن كانت واجبة على غير محل الغسل . ومنه ، ما هو واجب لغيره قطعا ، وهو الأغسال الباقية ما عدا غسل الجنابة . ومنه ، ما هو واجب لنفسه ، على خلاف ، وهو غسل الجنابة ، فإن الفاضل حكم في تحريره ( ٤ ) بوجوبه لنفسه ، والشهيد جزم في كتبه ( ٥ ) بوجوبه لغيره ، ١ - وكذا ينوي الندب في أي محل فعله ، إذا كان الوضوء ندبا . ( ابن المؤلف ) ٢ - الفخرية في معرفة النية : ص ٤٠ . ٣ - أثبتنا ( إنه ) من ( ع ) . ٤ - تحرير الأحكام : ج ١ ص ١٢ . ٥ - ذكرى الشيعة : ص ٢٣ .
[ ١٢ ]
ولكل حجج ليس هذا موضع ذكرها ، والمشهور الأظهر الثاني . وتظهر الفائدة فيما لو فعله المكلف خاليا عن فعل مشروط بالطهارة ، فعلى الأول ينوي الوجوب ، وعلى الثاني ينوي الندب . وكلما هو واجب لغيره ، لا يجب إلا بوجوب فعل مشروط به ، وهو : الصلاة ( ١ ) ، والطواف ، ومس خط المصحف ، واللبث في المساجد ، والاجتياز في المسجدين ، وقراءة العزيمة ، والصوم في ( ٢ ) غير مس الميت ، لأن حدثه لا يمنع من الصوم على الأصح ، وإنما يمنع حدثه ما يمنع الحدث الأصغر ، وهو : الصلاة ، والطواف ، ومس خط المصحف . وإذا خلت الذمة من هذه الأسباب ، نوى بالغسل الندب ، ويباح له المشروط به عند حصوله إذا نوى الاستباحة أو الرفع . ومحل النية - هنا - كما تقدم ، إلا أنها لا تختص بالوجه ، بل تجوز المقارنة بجميع الرأس حتى الرقبة ، على الأصح . وواجبه : [ ١ ] - النية - لما تقدم - ( ٤ . ٣ ) . [ ٢ ] - ثم غسل الرأس . [ ٣ ] - ثم ميامنه . [ ٤ ] - ثم مياسره ، مرتبا ، كما ذكر . ١ - في ( ت ، ق ، م ) : ( كالصلوة ) مكان ( وهو الصلاة ) . ٢ - في ( ت ، ق ، م ) : فمن . ٣ - في ( ت ، م ) : كما . ٤ - من الآيات والأخبار . ( ابن المؤلف )
[ ١٣ ]
ولا يجب الترتيب بين أجزاء العضو نفسه ، فيغسل الجانب - مثلا - كيف شاء ، ولا يشترط الموالاة في الغسل ، إلا غسل المستحاضة ( ١ ) ، والسلس ، والمبطون ، إذا كان الحدث مستمرا ، أو خشي فجأته في أثنائه . ويسقط فرض الوضوء مع غسل الميت ، ولا يسقط ندبه ، ومع غسل الجنابة مطلقا ( ٢ ) ، ويجب مع البواقي ، ويتخير المغتسل بين تقديمه وتأخيره ، وفي جواز فعله في الأثناء قولان ، قوى الشهيد العدم ، لأنه لم يتعبد بمثله . ولا يشترط الموالاة بينه وبين الغسل ، إلا في الاستحاضة المستمرة ، ولا عدم تخلل الحدث إن أخره ، أما لو قدمه ثم أحدث ، أعاده . ولو اجتمع على المكلف غسلان فصاعدا ، أجزأ كل منهما عن الآخر ، إلا الاستحاضة المستمرة ، فإن غيرها لا يجزي عنها ، ولا تجزي هي عن غيرها أيضا ، لكن إذا نوى خصوصية تستتبع الوضوء - كالحيض - وجب الوضوء ، فلا تحصل الاستباحة بدونهما ، ومتى أحدث في أثناء الغسل بطل مطلقا ، وقيل : يتم ويتوضأ مطلقا ، وقيل : يعيد غسل الجنابة ويتم ما عداه ويتوضأ . وصفة النية : أغتسل لرفع حدث الجنابة ، أو : لرفع الحدث ، أو : لاستباحة الصلاة ، أو : لرفع الحدث واستباحة الصلاة ، لوجوبه ، قربة إلى الله . وإن كان غير مشغول الذمة بمشروط به ، أبدل الوجوب بالندب . وكذا القول في الحيض والنفاس ، إلا أنه إن عين الحدث ، نوى رفع حدث الحيض أو النفاس . ١ - في ( ت ، ق ، م ) : الاستحاضة . ٢ - وجوبا وندبا . ( ابن المؤلف )
[ ١٤ ]
وأما المستحاضة ، فإن غسلها يجامع الحدث ، فلتعتبر الدم ، فإن غمس القطنة وسال ، وجب ثلاثة أغسال : غسل للصبح ، وغسل للظهرين ، وغسل للعشائين ، وتتوضأ لكل صلاة ، وإن غمسها ولم يسل فغسل واحد للصبح مع الوضوء لكل صلاة ( ١ ) ، وإن لم تغمسها ، فالوضوء لكل صلاة خاصة ، والاعتبار بقلة الدم وكثرته في أوقات الصلوات ، فلو سبقت القلة ، ثم طرأت الكثرة ، انتقل الحكم ، فلو كانت الكثرة بعد صلاة الصبح ، اغتسلت للظهرين . وهل يتوقف صحة الصوم على هذا الغسل ؟ الأقرب نعم ، للحكم على المستحاضة بوجوب الأغسال ، وجعلها شرطا ، ويحتمل العدم ، لسبق انعقاد الصوم ، ولا فرق في الصوم بين كثرته قبل فعل الظهرين ، أو بعد فعلهما ، أما بالنسبة إلى الظهرين ، فلا يجب الغسل لهما وإن كثر بعدهما . وتجب المبادرة بعد فعل الغسل والوضوء إلى الصلاة ، إلا بما يتعلق بها ، فلو أخرت وحصل حدث إعادتهما ( ٢ ) ، فحينئذ ، يزيد على النواقض تراخي صلاة المستحاضة عن الغسل والوضوء . ولا يصح الغسل ، إلا بعد دخول وقت الصلاة ، إلا أن تكون صائمة ، أو متنفلة ، فتقدمه على الفجر وجوبا ، ويجزي له ( ٣ ) وللصلاة . ومحل التقديم بعد نصف الليل لا قبله . ولو تركت الغسل ، بطلت الصلاة والصوم ، فيجب القضاء دون الكفارة ، وكذا الحائض والنفساء ، بخلاف الجنب ، فإنه يقضي ويكفر . ١ - ويجب عليها مع ذلك ، غسل الفرج وتغيير القطنة والخرقة مع إصابة الدم . ( ابن المؤلف ) ٢ - طهارة وصلاة . ( ابن المؤلف ) ٣ - أي الصوم . ( ابن المؤلف )
[ ١٥ ]
وحكم دائم الحدث - كالسلس - حكمها في عدم جواز تأخير الصلاة عن الوضوء ، إلا شروطها وسننها ( ١ ) كالأذان . ولو كان لكل منهما وقت يظن خلو الحدث فيه عن قدر الصلاة ، وجب توخيه . وصفة النية : أغتسل غسل الاستحاضة ، لاستباحة الصوم ، أو : لاستباحة الصلاة ، لوجوبه ، قربة إلى الله . ونية الوضوء كما تقدم . وفي جواز نية الرفع أو ضمه إلى الاستباحة ، كلام سبق . تذنيب : علم من صفة النية ، أنه لا يشترط تعيين الحدث ، فلو عينه ، فإن كان هو الواقع ، فلا بحث ، وإن كان الواقع غيره ، فإن كان التعيين غلطا ، صح ، وإلا فلا ، ولو عينه ونفى غيره ، بطل ، لاشتراك الخصوصية . وكيفية الغسل ما تقدم . ويجوز الارتماس في جميع الأغسال ، ومعناه : مقارنة آخر جزء من النية بجميع البدن ، وقيل : تكفي مقارنته بأي جزء اتفق ، بشرط ( ٢ ) إتباع الباقي ، والأول اختيار الشهيد ( ٣ ) ( رحمه الله ) والثاني مفهوم كلام الفاضل في القواعد ( ٤ ) ، وصرح به في بعض كتبه ( ٥ ) ، وهو اختيار ابن فهد في كتبه ( ٦ ) . ١ - في ( ق ) : نيتها . ٢ - في ( ت ، م ) : يشترط . ٣ - الألفية : ص ٤٥ . ٤ - قواعد الأحكام ، سلسلة الينابيع الفقهية : ج ٢ ص ٦٥٣ . ٥ - المحرر ، سلسلة الينابيع الفقهية : ج ٢٦ ص ٤٠١ . ٦ - تبصرة المتعلمين ، سلسلة الينابيع الفقهية : ج ٢٦ ص ٢٣٥ .
[ ١٦ ]
ويجب تغسيل الميت المسلم أو من بحكمه ، وهو الطفل لأربعة أشهر فصاعدا . والقطعة ذات العظم ، والصدر ، والقلب ، والرأس ، وبعض كل منها ، وجملة الميت خالية عنها كالميت في الأحكام ، إلا الحنوط إذا فقد محله . ويغسل المخالف - إلا الناصبي ، والغالي ، والمجسم بالحقيقة ، والخارجي - كمعتقده ، ويجوز بمذهب أهل الحق على كراهية . والغاسل المسلم ، لا الصبي - وإن كان مميزا - على تفصيل ( ١ ) ليس هذا موضع ذكره . وصفة النية : أغسل هذا الميت ، لوجوبه ، قربة إلى الله ، أو : أغسل هذا الميت ، بماء السدر والكافور والقراح ، لوجوبه ، قربة إلى الله . ومحلها : ابتداء غسل الرأس مقارنة ، ولايحتاج إلى ضم رفع ، ولا إستباحة ، ولو نواهما أو أحدهما ، لم يضر . وتجزي نية واحدة للغسلات الثلاث ، ولو فرق لكل غسلة نية ( ٢ ) ، أو جمع بين غسلتين ( ٣ ) في نية ، فالأقوى الإجزاء - أيضا - لتعدد الغسلات حسا ( ٤ ) ، ويحتمل عدمه ، لأنه غسل واحد - فلا يجزي تفريقه - كغسل الجنابة ، وكذا حكم تيممه . ١ - أراد بالتفصيل : مساواة الغاسل للميت في الذكورة والأنوثة ، إلا في المواضع المستثناة ، كالزوجين . ( ابن المؤلف ) ٢ - في ( ق ) : بنية . ٣ - في ( ع ) : غسلين . ٤ - أي : ظاهرا . ( ابن المؤلف )
[ ١٧ ]
وإذا كان الغاسل هو الصاب ، نوى هو ، ولو اشترك جماعة في غسلة ، نووا ( ١ ) أجمع ، ولو كان الصا ب غير الغاسل فنوى الصاب وحده ، أجزأ ، لأنه الغاسل حقيقة ، ولو نوى الآخر ، فالأقرب الإجزاء أيضا ، لأن الصاب كالآلة . ويشترط فيه إباحة المكان ، كغيره من الأغسال والوضوءات . وكيفية الوضوء ما تقدم . ونيته : أوضئ هذا الميت ، لندبه ، قربة إلى الله . ويتخير في تقديمه وتأخيره كغيره . ويجب مسمى السدر في الغسلة الأولى ، والكافور في الثانية ، والقراح البحت ( ٢ ) في الثالثة . ثم يحنط بعد غسله ، بوضع كافور على مساجده السبعة ، أقله مسماه ، وأعلاه ثلاثة عشر درهما وثلث درهم ( ٣ ) ، ونيته عند ابتداء الشروع فيه . وصفتها : أحنط هذا الميت ، لوجوبه ، قربة إلى الله . وتكفينه ( ٤ ) : بمئزر ، وقميص ، وإزار ، ويزاد الرجل عمامة ، وخامسة لشد فخذيه ، وحبرة أو لفافة بدلها إن فقدت ، والمرأة لفافة لثدييها ، ونمطا ( ٥ ) ، وتبدل بالعمامة قناعا . ونية التكفين : أكفن هذا الميت ، لوجوبه ، قربة إلى الله . ١ - في ( ت ، م ) : نوى . ٢ - البحت بالحاء المهملة ، والتاء المنقوطة اثنتين من فوق ، بعد الباء المنقوطة واحدة من تحت ، هو : الخالص الصرف ، يقال : شراب بحت أي : غير ممزوج بشئ . ( ابن المؤلف ) ٣ - أوسطه أربع دراهم ، وأقل الفضل درهم . ( ابن المؤلف ) ٤ - عطف على وجوب التغسيل ، أي : ويجب تكفينه . ( ابن المؤلف ) ٥ - أثبتنا ( ونمطا ) من ( ع ) .
[ ١٨ ]
ومحلها : عند عقد الإزار ، مستمرا عليها إلى عقد اللفافة . ونية الصلاة عليه وحكمها يأتي في باب الصلاة ( ١ ) ، إن شاء الله . ونية دفنه ( ٢ ) : أدفن ( ٣ ) هذا الميت ، لوجوبه ، قربة إلى الله . والنية في هذه الثلاثة ( ٥ . ٤ ) شرط في حصول الثواب ، لا في صحة الفعل . ويكون الكفن مما تصح الصلاة فيه . والحفيرة ( ٦ ) حارسة من الهوام ، وساترة للرائحة . والواجب بالنذر وشبهه ، كالواجب بالأصل في الأحكام . ونيته : أغتسل غسل النذر ، أو : العهد ، أو : اليمين ، لوجوبه ، قربة إلى الله . وله ضم الرفع أو الاستباحة ، كما تقدم في الوضوء . وأما الندب من الأغسال ، فمنه : غسل الجمعة ، وأول ليلة من شهر رمضان ، ونصفه ، وسبع عشرة ، وتسع عشرة ، وإحدى وعشرين ، وثلاث وعشرين ، وليلة الفطر ويومه ، ويوم الأضحى ، وليلتي نصف رجب ونصف شعبان ، ويوم المبعث - وهو سابع عشري رجب - والغدير ثامن عشر ذي الحجة والمباهلة رابع عشري ذي الحجة - في الأصح - ، وعرفة تاسع ذي الحجة ، ونيروز الفرس - وهو يوم نزول الشمس برج الحمل ، ويكون دائما في اثني عشر من آذار إلى ثلاثة عشر منه ، وفيه أقوال أخر ، هذا أصح منها - ١ - في ( ت ، م ) : الصلوات . ٢ - في ( ت ، م ) : الدفن . ٣ - في ( ت ، ق ، م ) : أدفن . ٤ - أراد بالثلاثة : الحنوط والتكفين والدفن . ( ابن المؤلف ) ٥ - في ( ت ) : الثلاث . ٦ - في ( ق ) : الحفرة .