كفاية الأصول - ط جماعة المدرسین - الآخوند الخراساني، الشيخ محمد کاظم - الصفحة ١٩٤ - حقيقة النسخ
[حقيقة النسخ]
ولا بأس بصرف الكلام إلى ما هو نخبة القول في النسخ.
فاعلم : أنّ النسخ وإن كان رفع الحكم الثابت إثباتا ، إلّا أنّه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا ، وإنّما اقتضت الحكمة إظهار دوام الحكم واستمراره أو أصل إنشائه وإقراره ، مع أنّه بحسب الواقع ليس له قرار أو ليس له دوام واستمرار ؛ وذلك لأنّ النبيّ الصادع للشرع [١] ربما يلهم أو يوحى إليه أن يظهر الحكم أو استمراره مع
ـ المقتضي ـ وهو مقدّمات الحكمة ـ ، لا لوجود المانع. أجود التقريرات ١ : ٥٠٦ ـ ٥١٢.
وأمّا المحقّق العراقىّ : فهو ـ بعد ما أورد على المصنّف ; بأنّ كثرة التخصيص وندرة النسخ متأخّرتان عن زمان ورود الخاصّ ، لأنّهما ناشئان عن الالتزام بالتخصيص دون النسخ في الخصوصات ، فلو التزمنا بالنسخ كان الأمر بالعكس ـ قرّب وجه تقديم التخصيص على النسخ بما قرّب به وجه تقديم أصالة السند والجهة على أصالة الظهور والدلالة. بيان ذلك : أنّه إذا دار الأمر بين التصرّف الدلاليّ والتصرّف الجهتيّ يقدّم الأصل الجهتيّ على الأصل الدلاليّ من جهة أنّه لو لا إحراز أصل صدور الكلام عن المعصوم ٧ لا تنتهي النوبة إلى مقام التعبّد بظهوره ودلالته. وبما أنّ باب النسخ كان من باب التورية والتقيّة في كونه من قبيل التصرّف في الجهة لا من قبيل التصرّف في الدلالة ، وكان الخاصّ من قبيل التصرّف في الدلالة ، فمع الدوران في العامّ بين كونه منسوخا بالخاصّ وكونه مخصّصا به يقدّم الأصل الجاري في جهته ـ وهو أصالة عدم النسخ ـ على الأصل الجاري في ظهوره ودلالته ـ وهو أصالة العموم ـ ، فيقدّم التخصيص على النسخ. مقالات الاصول ١ : ٤٨٦.
وأمّا المحقّق الأصفهانيّ : فذهب إلى تعيّن التخصيص بوجه آخر. وتوضيحه : أنّ كلام الأئمّة الأطهار : كلّه بمنزلة كلام واحد ، لأنّ الأحكام الشرعيّة بأجمعها ثابتة في الشريعة الإسلاميّة من أوّل الأمر ، وكلام الأئمّة : بيان لهذه الأحكام الشرعيّة الثابتة من أوّل الأمر ، لا من حين صدورها. وعليه ، فلا تأخّر ولا تقدّم بين هذه الأحكام في ظرف ثبوتها ، وإنّما التأخّر والتقدّم في ظرف بيانها. فإذا العامّ المتأخّر زمانا مقارن للخاصّ في ظرف الثبوت ، وإن كان متأخّرا عنه بيانا. ومن هنا يكون دليل المخصّص كاشفا عن تخصيص الحكم العامّ من الأوّل ، سواء كان العامّ متأخّرا زمانا أو متقدّما كذلك. فلا موجب لتوهّم كونه ناسخا للخاصّ ، بل لا مناص من جعل الخاصّ مخصّصا له. راجع هامش نهاية الدراية ١ : ٦٦٠.
[١] أي : النبيّ المظهر والمبيّن للشرع.