ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ٩٧ - المقصد الثاني في حكم الغناء شرعا
و الحاصل أنّ مجرد الصوت من دون ترجيع و تطريب لا يسمّى لحنا كما لا يسمّى غناء، و المراد بالغناء في ذيل الحديث الأوّل هو الصوت اللهويّ المحرّم، فلا منافاة.
لا يقال: إنّه كما يحتمل صرف الغناء عن معناه اللغوي، كذلك يحتمل صرف اللحن عن معناه الحقيقي، و لا مرجّح، فيتطرق الإجمال المخلّ بالاستدلال.
فإنّ تعارف استعمال الغناء و غلبة إرادة المعنى العرفيّ منه ممّا يرجّح الأوّل.
و منها ما ورد أنّه كانت النساء يغنين عند قدوم رسول اللّه ٦ المدينة بقولهنّ:
طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع * * *وجب الشكر علينا ما دعا للّه داع
[١]
و لم ينكره عليهنّ، فتدبّر.
و منها ما رواه الغزاليّ في كتاب إحياء العلوم من أنّ عائشة قالت: دخل عليّ رسول اللّه ٦ و عندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث [٢] فاضطجع على الفراش، و حوّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني و قال: مزمار الشيطان عند رسول اللّه؟ فاقبل عليه رسول اللّه ٦ و قال: دعهما، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا [٣] انتهى.
قال ابن الأثير في (النهاية): أي ينشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث، و هو حرب كانت بين الأنصار، و لم ترد الغناء المعروف بين أهل اللهو و اللعب [٤] انتهى.
و في الاستدلال بمثل هذه الرواية ما لا يخفى.
[١]. إحياء علوم الدين، ج ٢، ص ٣٠٢ انظر ايضا تلبيس إبليس لأبي الفرج ابن الجوزي، ص ٢٢٤ و أيضا المبسوط للشيخ ;، ج ٨، ص ٢٢٦.
[٢]. بعاث، بضمّ الباء، يوم مشهور كان فيه حرب بين الأوس و الخزرج، و بعاث اسم حصن للأوس و بعضهم يقوله بالغين المعجمة و هو تصحيف، راجع النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج ١، ص ١٣٩ مادة بعث. أيضا: إتحاف السادة المتّقين، ج ٦، ص ٤٩٢.
[٣]. إحياء علوم الدين، ج ٢، ص ٣٠٣.
[٤]. النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج ٣، ص ٣٩٢ مادة غنا.