ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ٧٤ - المقصد الأوّل في بيان ماهيّة الغناء لغة و عرفا
الموصوف أخصّ من مصدر فعله، كقولك سرت سير البريد، و ضربت ضربا شديدا [١] انتهى فتدبّر.
فحيث ظهر و بان ضعف هذا القول تعيّن الثاني، لتصريح أكثر أهل اللغة، بل و غيرهم، به، كما لا يخفى على المتتبع المتنبّه.
هذا، مع أنّي لا أظنّ العرب يصحّحون سلب الغناء عن الأصوات المشتملة على الترجيع مع الإطراب، بل الظاهر تبادر ذلك منه عندهم، كما صرّح به بعض الأطياب.
و كلام السيّد المرتضى ; على بيت النابغة شاهد على ما ذكرنا بلا ارتياب، فإنّه جعل العلاقة هو المشابهة في الإطراب.
فتحصّل ممّا بيّناه و شرحناه: أنّ الحقيقة العرفيّة لهذا اللفظ هو: الصوت اللهويّ الشامل للمقترن بالملاهي، و الحقيقة اللغوية له هو الصوت المطرب، و لا حاجة إلى اعتبار الترجيع، لاستلزام الإطراب للترجيع، كما أشرنا إليه.
فكلّ صوت مطرب يستعمله إنسان غناء لغة، و إن لم يكن على سبيل اللهو و لم يقترن بشيء من الملاهي و المحرّمات، و الّا فهو غناء عرفا.
و لا فرق- على الوجهين- بين ما كان مشتملا على كلام مفهوم المعنى و غيره، و لا بين ما كان في كلام باطل و حقّ، و لا بين الشعر و غيره، و لا بين المرثيّة و غيرها، فإنّ ذلك كلّه مع الإطراب غناء لغة و مع التلهّي غناء عرفا و لغة، فإنّ كلّ ما يطلق عليه الغناء في العرف يطلق عليه الغناء لغة، دون العكس، كما لا يخفى.
ثمّ ليعلم أنّ المراد بالصوت اللهويّ:
يحتمل أن يكون مطلق ما يتلهى به، و أن لم يحكم بحرمته، بناء على عدم ثبوت حرمة مطلق اللهو، كما أشرنا إليه في المقدمة العاشرة، لعدم اعتبار الحرمة في صدق الغناء العرفيّ، و حمل ما يأتي من الاخبار على اللهويّ المحرّم لا يوجبه.
[١]. إيقاظ النائمين و قد سبق ذكره، راجع التمهيد في علوم القرآن، ج ٥، ص ٢١٠.