ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ١٠١ - المقصد الثاني في حكم الغناء شرعا
الهرج و المرج و اختلال النظام، و إلّا فلا ننكر أنّ الغناء يختلف باختلاف أحوال المستمعين و أخلاقهم.
كما صرّح به الغزاليّ أيضا حيث قال: و للمستمع أربع أحوال:
إحداها: أن يكون سماعه بمجرّد الطبع، أي لا حظّ له في السماع إلّا استلذاذ الألحان و النغمات، و هذا مباح، و هو أخسّ رتب السماع، إذ الإبل شريكة له فيه و كذا سائر البهائم، بل لا تستدعي هذا الذوق إلّا الحياة فلكل حيوان نوع تلذّذ بالأصوات الطيّبة.
الحالة الثانية: أن يسمع بفهم، و لكن ينزله على صورة مخلوق، إمّا معيّنا، و إمّا غير معيّن، و هو سماع الشباب و أرباب الشهوات، و يكون تنزيلهم للمسموع على حسب شهواتهم و مقتضى أحوالهم، و هذه الحالة أخسّ من أن نتكلّم فيها إلّا ببيان خسّتها و النهي عنها.
الحالة الثالثة: أن ينزل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملته للّه تعالى، و تقلب أحواله في التمكن مرّة، و التعذر اخرى، و هذا سماع المريدين.
إلى أن قال: الحالة الرابعة: سماع من جاوز الأحوال و المقامات، فعزب عن فهم ما سوى اللّه حتّى عزب عن نفسه و أحوالها و معاملاتها، و كان كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود، الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ في مشاهدة جمال يوسف ٧ حتّى دهش و سقط عن إحساسهنّ، الى آخره [١].
و الحاصل: أنّ الغناء- و إن كان له تأثير حسن في بعض القلوب- و لكنّه في أكثر الناس موجب للفساد، و لذا قال بعض العارفين: و حيث كثرت الفتنة بطريقه، و زالت العصمة فيه، و تصدى للحرص عليه أقوام قلّت أعمالهم و فسدت أحوالهم. و أكثروا الاجتماع للسماع. و ربّما يتّخذ للاجتماع طعام لطلب النفوس الاجتماع لذلك لا رغبة للقلوب في السماع، كما كان من سير الصادقين، صار السماع معلولا تركن إليه النفوس طلبا للشهوات و استحلاء
[١]. احياء علوم الدين، ج ٢، صص ٣١٣- ٣١٦.