ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ٥٧ - المقدّمة التاسعة
و ملاسته، و قصر المنفذ و ضيقه حدة و ثقلا، و قد يختلف بملائمة الطبع و منافرته فيتصف بالحسن و الكراهة.
و قد تختلف آثاره فمنه ما يورث السرور و الانبساط، و منه ما يوجب الضحك، و منه ما يورث البكاء، و منه ما يوجب الانزجار عن هذه الحياة و الميل إلى الحياة الباقية، و تذكّر الجنة و الشوق إلى العالم الأعلى، و منه ما يهيّج الشهوات و يزيّن السيّئات، نظير أنواع مدركات البصر في اختلاف آثارها.
و كيف كان، فالصوت مهيّج للقلب و محرّك له و موجب لظهور ما هو الغالب عليه من الأخلاق و الحالات.
قال أبو حامد محمّد بن محمّد بن محمّد الغزّالي في كتاب «إحياء علوم الدين»: للّه تعالى سرّ في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتى إنها لتؤثّر فيها تأثيرا عجيبا، فمن الأصوات ما يفرح، و منها ما يحزن، و منها ما ينوّم، و منها ما يضحك و يطرب، و منها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد و الرجل و الرأس.
و لا ينبغي أن يظنّ أنّ ذلك لفهم معاني الشعر، بل هذا جار في الأوتار حتى قيل: من لم يحرّكه الربيع و أزهاره و العود و أوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج.
و كيف يكون ذلك لفهم المعنى، و تأثيره مشاهد في الصبيّ في مهده، فإنّه يسكته الصوت الطيّب عن بكائه، و تنصرف نفسه عمّا يبكيه إلى الإصغاء إليه، و الجمل مع بلادة طبعه يتأثّر بالحداء تأثّرا يستخفّ معه الأحمال الثقيلة و يستصغر لقوّة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة، و ينبعث فيه من النشاط ما يسكره و يولّهه، فتراها إذا طالت عليها البوادي و اعتراها الإعياء و الكلال تحت المحامل و الأحمال، إذا سمعت منادي الحداء تمدّ أعناقها، و تصغي إلى الحادي ناصبة آذانها، و تسرع في سيرها حتى تزعزع عليها أحمالها و محاملها، و ربما تتلف أنفسها من شدّة السير و ثقل الحمل، و هي لا تشعر به لنشاطها.
فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقّي قال: كنت بالبادية فوافيت قبيلة