ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ٥٨ - المقدّمة التاسعة
من قبائل العرب فأضافني رجل منهم، و أدخلني خبائه فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيّدا بقيد، و رأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت، و قد بقي منها جمل و هو ناحل ذابل كأنّه ينزع روحه! فقال لي الغلام: أنت ضيف و لك حقّ فتشفّع في إلي مولاي فإنّه مكرم لضيفه، فلا يرد شفاعتك في هذا القدر، فعساه يحلّ القيد عنّي.
قال: فلمّا أحضر و الطعام امتنعت و قلت: لا آكل ما لم اشفّع في هذا العبد.
فقال: إنّ هذا العبد أفقرنى و أهلك جميع مالي! فقلت: ما ذا فعل؟
فقال: إنّ له صوتا طيّبا، و إنّي كنت أعيش من ظهور هذه الجمال، فحمّلها أحمالا ثقالا و كان يحدو بها حتّى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته، فلما حطّت أحمالها ماتت كلّها، إلّا هذا الجمل الواحد.
و لكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك.
قال: فأحببت أن أسمع صوته، فلمّا أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقي الماء من بئر هناك، فلمّا رفع صوته هام ذلك الجمل و قطع حباله، و وقعت أنا على وجهي، فما أظنّ أني سمعت- قطّ- صوتا أطيب منه.
فإذا، تأثير السماع في القلب محسوس، و من لم يحرّكه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانيّة، زائد في غلظ الطبع و كثافته على الجمال و الطيور، بل على جميع البهائم، فإنّ جميعها تتأثّر بالنغمات الموزونة، و لذلك كانت الطيور تقف على رأس داود ٧ لاستماع صوته.
إلى أن قال: قال أبو سليمان: السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه، و لكن يحرّك ما هو فيه. انتهى. [١]
و كما أنّ الحروف و الكلمات ليست من ذاتيّات الصوت، فكذلك الحسن و القبح لتخلّف كلّ منهما عنه، و الذاتيّ لا يتخلّف، فقد يتّصف بالحسن، و قد يتّصف بالقبح، و قد لا يتّصف بشيء منهما.
[١]. إحياء علوم الدين ج ٢ صص ٣٠٠- ٢٩٩.