ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ١٤٠ - و منها الغناء في المراثي
به جمع، فإن كان ذلك لأمر مذموم كان مذموما، و إن كان لأمر محمود مطلوب شرعا كان محمودا، و لا ريب في كونه معينا عليه، و من هنا جازت النياحة بالحقّ كما يأتي، و هي لا تنفكّ عن الغناء، كما صرّح به جماعة.
و الحاصل أنه لا مجال لإنكار كون الغناء معينا على البكاء- و إن لم يكن سببا تامّا له- إذ لا يلزم في صدق الإعانة كون المعين علة تامّة للمعان عليه، بل يكفي مجرد كونه ممّا يتوقّف عليه.
قوله: «و إن كان حزنا فهو على ما هو المركوز في النفس» الى آخره.
قلت: هذا مسلّم في الجملة، لا مطلقا، لتفاوت المستمعين في ذلك قطعا، لما عرفته من أنّ الغناء، مهيّج لما هو الغالب على القلب من الحالات و الصفات، فمن غلب عليه هواه هيّجه للشهوات، و أوجب البكاء على ما فقده من المشتهيات وفات، و من غلب عليه حبّ مولاه حرّك قلبه للحزن على ما يتذكّره من مصائب من كان يتولّاه، و من هنا قيل: إنّ من غلب عليه عشق نزل كل ما يسمعه عليه و يهيّج قلبه إليه، فكم من محبّ لأهل بيت العصمة : تدمع عينه بترنّم الأشعار المنشدة في مصائبهم، و التغنّي بالقصائد المنظومة فيما هجم عليهم من مبغضيهم، من غير التفات في هذه الحال إلى ما فاته من المشتهيات الحيوانية، و لا تذكّر لما أصابه من الآفات الزمانية، نعم، كثير من المراثي المحدثة في هذه الأزمنة سيّما في بلاد العجم الّتي يقيمها أهل الدنيا رياء و سمعة مشتمل على ألحان الفسوق و الفجور مقترن بملهيات أكثر من التصانيف المستعملة في مجالس شرب الخمور، و مع ذلك يسمّون هذه المجالس بمجالس التعزية، و لكنّها في نظر المتأمّل مجالس العيش و النشاط، و هي أشبه شيء بالمجالس التي يقيمها أهل التصوّف لأغراض نفسانية و خيالات شيطانية، فيسمّونها مجالس الذكر، و يزعمون أنّها رياض الجنة الّتي ورد الحثّ في بعض الأخبار على حضورها.