خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٩٥ - المجلس الثاني
الأسرار، و مثبت الفرّار و مصمت أولئك الصرار، و مغوّر مياه الآبار بيسير الغبار، و مخرج الإضمار في المضمار، و مذهب المس و طارد العمّار [٤٤٧]. أنا قاطع الدماء إذا نزفت، و كاشف الغمّاء إذا ما انكشفت أهنأ الإبل فلا تجرب، و اخطّ حول الحمى فلا تدنو السباع و لا تقرب، و ادخنّ بها فلا تتسلل الحيّة و لا تدب العقرب. إن نعيت الشمس لوقت محدود طمس فيها نورها، و أن وعدت الأرض بريّ محمود فار تنورها، و إن كتبت لعقد النكاح انحلّت، و إن عقلت خطى الضالة وقفت حيث حلّت و إن زجرت الجنون تركت و خلّت، و إن استثرت الدفائن ألقت الأرض ما فيها و تخلّت. أنا جردت البيضة الشعراء، و زوّجت الفتى الشرقي من الجارية العذراء. أنا صافحت الملك، و رصدت الفلك، و مزجت بسرّ الحكمة الضياء و الحلك، فاحتقرت الملك و ما ملك.
دعوت علم الطباع فأطاع، و قطعت شكوك الهيئة بالشكل القطاع، و قلت بالقدر و بالاستطباع، و سبقت في صناعة البرهان يوم الرهان، و رضت صعاب الرياضيات حتى ذلّ قيادها، و سهل انقيادها، و عدّلت الكواكب و اختبرت القلوب البابانيّة و المناكب، و بشّرت عند رجوع خنّسها [٤٤٨] بالغيوث السواكب. و وقفت بالامتحان، على صناعة الألحان، و قرأت ما بعد الطبيعة، و ناظرت قسيس البيعة [٤٤٩]، و أعملت في الاصول، مرهفة النصول،
[٤٤٧] العمار: سكان البيوت من الجن
[٤٤٨] الخنّس الكواكب كلها و قيل السيارات منها فقط أو بعضها و قيل هي زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد.
[٤٤٩] من الأشياء المألوفة في تاريخ الأندلس، أن يتقن عدد كبير من الإسبان المسيحيين اللغة العربية، و هؤلاء عرفوا بالمستعربين كذلك كان الحال بالنسبة للأندلسيين المسلمين الذين أتقنوا لغة جيرانهم المسيحيين أمثال القشتاليين و الأراجونيين. و قد نتج عن ذلك حدوث مجادلات و مناقشات دينية و علمية مختلفة بين علماء المسيحية و الإسلام. فابن الخطيب في كتابه الإحاطة في أخبار غرناطة (لوحة ١١١ نسخة الاسكوريال) يروي أن أحد المعاصرين له و اسمه محمد بن لب الكناني المالقي، كان يطوف بالبلاد الإسبانية و يناقش قساوستها في أصول الديانتين الإسلامية و المسيحية. و يروي في موضع آخر أنه في أيام الملك الإسباني الفونسو العاشر الملقّب بالحكيم أو العالمEl Sabio في القرن الثالث عشر الميلادي، كان العالم الغرناطي محمد الرقوطي يعلم المسيحيين و اليهود في مدرسة مرسية (الإحاطة لوحة ١٠٧). كذلك يروي