خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٨٤ - المجلس الأول
قلت فمدينة بسطة [٣٩٦]، قال و ما بسطة بلد خصيب، و مدينة لها من اسمها نصيب، دوحها متدلّ، و طيب هوائها غير متبدل و ناهيك من بلد اختص أهله بالمران في معالجة الزعفران، و امتازوا به عن غيرهم من الجيران. عمّت أرضها السّقيا فلا تخلف، و شملتها البركة تختص من يشاء اللّه و يزلف. يتخلل مدينتها الجدول المتدافع، و الناقع للعلل النافع. ثياب أهلها بالعبير تتأرّج، و حورها تتجلى و تتبرج، و ولدانها في شط أنهارها المتعدّدة تتفرج. و لها الفحص الذي يسافر فيه الطرف سعيا، و لا تعدم السائمة به ريّا و لا رعيا.
و للّه در القائل:
في بلدة عوّدت نفسي بها* * * إذ في اسمها طه و ياسين
ألجأني الدهر إلى عالم* * * يؤخذ منه العلم و الدين
إلا أن تربتها تفضح البناء، و إن صحبه الاعتناء، فأسوارها تسجد عند الإقامة و خندقها لاكسارها [٣٩٧] تلقامه [٣٩٨] فهي لذلك خير دار مقامه.
و رياحها عاصفة و رعودها قاصفة، و حاميتها تنظر إلى الهياج، من خلف سياج، فالعدوّ فيها شديد الفتكات، معمل الحركات، و ساكنها دائم الشكات، و حدّها فليل و عزيزها لتوقع المكروه ذليل.
قلت فأشكر [٣٩٩]، قال نعم البسيط المديد، و الرزق الجديد، و السعي العديد، و الصيد القديد. تركب الجداول فحصها، و يأبى الكمال نقصها، و يلازم ظل الخصب شخصها. مسرح البهائم، و معدن الرعي الدائم، إلا أن معقلها لا يمنع، و مكانها يحوم عليه الحادث الأشنع، و نفوس أهلها مستسلمة لما اللّه يصنع.
[٣٩٦]Baza راجع صفحة (٢١) حاشية (١) من هذا الكتاب.
[٣٩٧] اكسار و كسور ما تكسر و تثنى على الأرض.
[٣٩٨] يقال رجل تلقام و تلقامة أي عظيم اللقم. أي أن خندقها ممتلئ بما تكسر من الأسوار و المباني.
[٣٩٩] أشكر بلدة في ولاية غرناطة و تسمّى الآنHuescar و تقع في شمال بسطه. و كانت هذه البلدة موضع حروب و منازعات بين المسلمين و النصارى أيام ابن الخطيب راجعSimonet Op .cit .p .(٣٦) .