خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١١٦ - الرسالة الرابعة رحلة لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب عن كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب
جلسة، و حرص على تتميم البر بكل حيلة.
و في يوم الاثنين المتصل بيوم القدوم، توجّهنا إلى الجبل في كنف أصحابه تحت إغراء بره، و في مركب قرة عينه، فخرجنا نستقبل بين يديه السهل، و نساير الجهة، و نشاهد الآثار، و نتخطّى المعاهد، و ننشق (٣ و) النسيم البليل القريب العهد بمادة الثلج و عنصر البرد، و لما بلغنا درج الجبل، و انتحينا طريقه من السفح، و هي تركب ضفّة الوادي الملتف بعادي شجر الجور و الطرفاء و شجر الخلاف و الدردار، و أمعنّا (و) [٥٠٢] كابدنا عنتا في اقتحام الوادي ذي الجرية الكثيرة الصبب، المسوقة المد، العظيمة التيار، المجهولة المخاض، و نقتحم منه أزرق شفّافا عن الحصباء، كثير الجلبات، أملس الصفاح، لذّاع البرد، عبرناه نحوا من ثلاثين مرّة في أماكن يتخلّلها الدّوح، و يعظم الرّيع، و تخصر الحرباء، و تسمو عن جانبها الجبال الشم، و الشعبات التي تزلّ بها العصم، و تفضي دروبه إلى أقوار [٥٠٣] فسيحة و أجواء رحيبة، يكتنفها العمران، و يموج بها السنبل.
و لما كدنا أن نختم عدد نوب المجاز، و نأتي على عنته، تلقتنا الخيل راكضة أمام اليعسوب المتبوع عبد العزيز بن محمد الهنتاني، صنوه و حافظ سيقته، و قسيمته في قعساء عزته، الحسن الوجه، الراجح الوقار، النبيه المركب، الملوكي البزه، الظاهر الحياء المحكم الوخط إيثارا للحشمة و استكثارا من مواد التجلة على الفتاء و الجدة. فرحّب و أسهل، و ارتاح و اغتبط، و ألطف و قدّم، و صعدنا الجبل إلى حلّة سكناه، المستندة إلى سفح الطّود، و قد هيأ ببعض السهل الموطأ للاعتمار بين يدينا من المضارب كل سامي العماد، بعيد الطّنب، سويّ القامة، مقدّر التفاصيل، بديع النقش و الصنعة، ظاهر الجدة، مصون عن البذلة، يظلل من مراتب الوطاء الرفيع، و لحف الحرر (٣ ط) و مساند الوشي، و انطاع مزعفر الجلد ما تضيق عنه القصور المحجّبة و الأبهاء المنضدة. و لم يكد يقر القرار، و لا تنزع الخفاف، حتى غمر
[٥٠٢] الواو هنا زيادة كي يستقيم المعنى
[٥٠٣] انظر ما كتبه دوزي في معنى قور و أقوار في:
( Dozy: Supplement aux Dictionnaires Arabes. II p. ٧١٤ a )