خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١١١ - المجلس الثاني
قلت فغساسة [٤٩٠]، قال فريسة و أكيلة، و حشف و سوء كيلة، إلا أنها مرسى مطروق، بكل ما يروق، و مرفأ جارية بحريّة، و محطّ جباية تجريّة.
ثم لما وصل إلى هذا الحد، نظر إلى حاج السوق قد أفاض، و مزاده أعمل فيه الانفاض، و علوّ الأصوات به قد صار إلى الانخفاض. فقال وجب اعتناء بالرحيل و اهتمام، و كل شيء إلى تمام. و مددت يدي إلى الوعاء فخرقته، و إلى العين فأرّقته، و قلت له لأحكّمنّك من كرام بني الأصفر، في العدد الأوفر، مائلة في اللباس المزعفر. فلمّا خضب كفّيه بحنّائها، و حصلت النفس على استغنائها، استدناني، و شبّك بنانه ببناني، و قال لا حبط عملك، و لا خاب أملك، و لا عدم المرعى الخصيب هملك، فلنعم مغلي البضائع، و حافظ الفضل الضائع، و مقتني الفوائد، و معوّد العوائد. و ستثبتّ مخيلته، فإذا الشيخ و تلميذه، و حماره و نبيذه، و قد تنكّر بالخضاب المموّه، و الزيّ المنوه و عاث بخد الغلام الشعر المشوّه. فقلت، هيه أبت المعارف أن تتنكر، و الصباح أن يجحد أو ينكر، كيف الحال بعدي، و ما اعتذاراك عن إخلاف وعدي، فقال:
خذ من زمانك ما تيسّر* * * و اترك بجهدك ما تعسّر
و لرب مجمل حالة* * * ترضى به ما لم يفسّر
و الدهر ليس بدائم* * * لابد أن سيسوء إن سر
و اكتم حديثك جاهدا* * * شمت المحدث أو تحسّر
و الناس آنية الزجاج إذا عثرت به تكسر
لا تعدم التقوى فمن* * * عدم التقي في الناس أعسر
و إذا امرؤ خسر الإله* * * فليس خلق منه أخسر
ثم ضرب جنب الحمار، و اختلط في الغمار، و تركني أتقرّى الآثار، و كل نظم فإلى انتثار.
[٤٩٠] غساسه: تقع عند مصب نهر ملويهMuluia بالبحر المتوسط، و هناك كانت قبائل بطويةButhoia .
راجع (ابن خلدون: العبر ج ٦ ص ١٠١- ١٠٢،.J .Leon :op .cit .p .٠٨١)