خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١١٠ - المجلس الثاني
قد استدار بها لحلق السور الأمر العجاب، و القطر الذي يحار في ساحته النجاب، فضرب منه على عذارها الحجاب، باطنه فيه الرحمة، و ظاهره من قبله العذاب. يحيط بها مرحلة راكب، و يصيّرها سماء مخضرة ذات كواكب. فمنازلها لا تنال بهوان، و فدنها و دمنها تحت صوان، و نخلها تظل من خلف الجدار، و تتبوأ الإيمان و الدار، و حللها مبثوثة بين الدمن، و ضياعها تتملك على مرّ الزمن، و سوائمها آلفة للسمن، موجودة بنزر الثمن، و فواكهها حميمة، و نعمتها عميقة، و سورها حصين مشيّد، و جسرها يعجز عن مثله معتصم و رشيد، و سقيها يخص دار الملك بحط معلوم، و يرجع إلى وال يكف كل ظلوم. و هي أم البلدان، المجاورة لخدود السودان فتقصدها بالتبر القوافل، و تهدي إلى محاربها النوافل. و الرفاهية بها فاشية، و النشا في الحلية ناشية، لكنها معركة غبار، و قتيل عقربها جبار [٤٨٨]، و لباسها خامل، و الجفاء بها شامل، و الجو يسفر عن الوجه القطوب، و المطر معدود من الخطوب، لبناء جدرانها بالطوب، و القرع بؤوس أهلها عابث، و العمش في جفونهم لابث، و الخصا يصيبهم، و يتوفر منه نصيبهم.
قلت فتازا [٤٨٩]، قال بلد امتناع، و كشف قناع، و محل ريع و إيناع، و وطن طاب ماؤه، و صحّ هواؤه، و بان شرافه و اعتلاؤه، و جلّت فيه مواهب الله و آلاؤه. عصيره مثل، و أمر الخصب به ممتثل، و فواكهه لا تحصى، يمار بها البلد الأقصى، و حبوبه تدوم على الخزن، و فخاره آية في لطافة الجرم و خفّة الوزن، إلا أن ريحه عاصف، و برده لا يصفه واصف، و أهله في و بال، من معرّة أهل الجبال، و ليوثه مفترسة، و أخلاق أهله شرسة.
[٤٨٨] الجبار: الهدر، يقال ذهب دمه جبارا أي هدرا دون أن يؤخذ بثأره.
[٤٨٩] تازا (تازة)Taza تقع في شرق مدينة فاس بنحو ١٢٧ ك. م، و تمتاز هذه المدينة بموقع استراتيجي ممتاز جعلها منذ أقدم العصور مركزا حربيا له خطورته. و لمكانتها الحربية اتخذها الحسن بن إدريس الثاني مقرا حربيا، و عني بها عبد المؤمن الموحدي فجعلها حصنا مانعا و في أيام بني مرين اتخذها أبو يعقوب المريني قاعدة لغزو تلمسان و لا تزال إلى اليوم مركزا حربيا له أهميته. و ينسب إلى هذه المدينة علماء كثيرون.
انظر (التعريف بابن خلدون ص ١٣٤ حاشية ٢، تاج العروس ج ٤، ص ١٢)