خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١٠٩ - المجلس الثاني
و عرة، و ظهائرها متسعرة، و طينها هائل، و زحامها حرب وائل، إن نشد الجفاء ناشد، فهي ضالّته المنشودة، أو حشد أصنافه حاشد، فهي كتيبته المحشودة. إلى بعد الأقطار، و عياث الميازب أوقات الأمطار، و الاشتراك في المساكن و الديار، على الموافقة و الاختيار، و تجهم الوجوه للغريب، ذي الطرف المريب، و غفلة الأملس عن الجريب و دبيب العقارب، أرسالا كالقطا [٤٨٤] القارب [٤٨٥]، و أهلها يرون لأنفسهم مزيّة الفضل، و يدينون في مكافأة الصنائع البالغة بالعضل [٤٨٦]. يلقى الرجل أبا مثواه فلا يدعوه إلى بيته، و لا يسمح له ببقله و لا بزيته، فلا يطرق الضيف حماهم، و لا يعرف اسمهم و لا مسمّاهم، إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات، و قليل ما هم.
و مقبرتهم غير نابهة، و أجدائها غير متشابهة، مشربة حيوان، و مشبعة جرذان، غير وان.
قلت فما تقول في آقر سلوين، قال واد عجيب، و بلد لداع الإيناع مجيب، مخضرّ الوهاد و المتون، كثير شجر الجوز و الزيتون، كنفته الجبال الشم، و حنا عليه الطود كما تحنو على ولدها الأم، فهواؤها ملائم، و العنب على الفصول دائم، إلا أن الشمس لا تطرقه بنوال، و لا ترمقه إلا وقت زوال، قد باء بالحظ الموكوس، و انكمش تحت إبط الظل المنكوس، فجوّه عديم الطلاوة، و عنبه للبرد قليل الحلاوة.
قلت فسجلماسة [٤٨٧]، فقال تلك كورة و قاعدة مذكورة، و مدينة محمودة مشكورة. كانت ذات تقديم، و دار ملك قديم، و بلد تبر و أديم، و منمي تجر و مكسب عديم. معدن التمر، بحكمة صاحب الخلق و الأمر، تتعدّد أنواعه فتعيي الحساب، و تجم بها فوائده فتحسب الاقتناء و الاكتساب.
[٤٨٤] القطا و مفردها قطاة و هو طائر في حجم الحمام.
[٤٨٥] القارب: الطالب الماء ليلا.
[٤٨٦] أي القبيحة.
[٤٨٧] سجلماسه، بكسر السين و الجيم و سكون اللام، مقاطعة و مدينة في جنوب المغرب الأقصى تسمى الآن تافيلالت.
انظر (ياقوت: معجم البلدان ج ٥، ص ٤١، التعريف بابن خلدون ص ٤٠ حاشية ١)