التعارض و التعادل و الترجيح - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٧٤ - حجة القائلين بالتخيير البدوي
فكان المستصحب وهو الجواز معلق على العمل بالأول وهو لم يعلم بثبوته سابقاً وإنما المعلوم ثبوته هو جواز الأخذ به قبل العمل بالأول فانه هو القدر المتيقن من ثبوت التخيير بينهما. وبعبارة أخرى ان المتيقن هو مجرد جواز الأخذ بكل منهما أما انه يجوز حتى بعد الأخذ بأحدهما فهو غير متيقن فلا يصح استصحابه فالمراد لمن قال بانه استصحاب تعليقي هو هذا المعنى وإن أبيت إلّا عن كونه استصحاباً تعليقياً بالمعنى المصطلح وتطبيقه على المثال المعروف له فنقول ان كل واحد من المتعارضين ثابت له جواز تركه على تقدير العمل بالآخر كما ثبت للعنب وجوب تركه وحرمة أكله على تقدير غليانه فيما نحن فيه نشك بعد العمل به هل يثبت له هذا الحكم أعني جواز تركه إذا عمل بالآخر كما في العنب فانه نشك في انه بعد صيرورته زبيباً هل يكون ثابت له هذا الحكم وهو وجوب تركه على تقدير غليانه. ويمكن الرد على هذا الجواب الثالث ان الحكم المستصحب هو الحجية على سبيل التخيير للمتعارضين ونشك في زواله وارتفاعه بالعمل بأحدهما فالموضوع هو الخبران المتعارضان والشك في بقاء الحجية على سبيل التخيير لهما وعروض العمل بأحدهما لا يكون مزيلًا لموضوع هذا الحكم ولا العرف يراه مبدلًا لموضوعه ولا مغيراً له فهو نظير الشك في بقاء الوجوب للجمعة من جهة غيبة الإمام (ع) فهو استصحاب تنجيزي.
وأجيب عنه رابعاً ان التخيير بينهما حكم عقلي والاستصحاب لا يجري في الأحكام العقلية لأن العقل يعرف موضوع ما يحكم به إذ الحاكم لا يجهل موضوع حكمه.
وفيه بأن الأحكام العقلية يمكن جريان الاستصحاب فيها بأن يكون العقل قاطعاً بثبوت الحكم لموضوع ويشك في بقاءه عند فقدان جزء منه فيستصحب. وتحقيق ذلك تجده في مباحث الاستصحاب في كتابنا مصادر الحكم الشرعي في المجلد الأول والثاني. هذا مضافاً إلى ان التخيير ليس منحصراً مدركه بالعقل بل قد دلت عليه الأخبار فيكون حكماً شرعياً. ان قلت ان الأخبار المزبورة مؤكدة لحكم العقل والمؤكد وإن كان لفظياً تابعاً للمؤكد وإرشاداً إليه والمرشد تابع للمرشد إليه فالتخيير