التعارض و التعادل و الترجيح - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٢٩ - أدلة القائلين بالتساقط
المخير إذا لم يتمكن إلّا من أحد أفراده فانه يتعين عليه بحكم العقل فالتخيير هنا والتعين هناك إنما هو بحكم العقل من جهة ماطرأ عليه من العوارض الخارجية نظير المكروه والمستحب والمباح بل والمحرم إذا طرأ عليها من العوارض ما يجعلها واجبة عليه فلا يلزم التصرف في خطاب الشرع في دلالته على التعيين لأن التصرف إنما كان في تنجّزه لا في نفسه وهو راجع للعقل. ان قلت ان هذا إنما يتم بناءاً على السببية في جعل الحجية للأمارات والأدلة بأن يكون قيام الحجية على الحكم سبباً شرعياً لجعله ظاهراً وأما بناءاً على الطريقية والكاشفية فيقتضي سقوط المتعارضين عن الحجية بتعارضهما لانه تزول عنهما الكاشفية عن الواقع للعلم الإجمالي بكذب أحدهما ولا ريب ان الأدلة حجيتها من باب الكشف لا باب السببية. قلنا مرادنا ان أدلة الحجية تدل على وجوب العمل والسلوك بالأمارة وإلّا فقد لا يكون بين مدلولي المتعارضين تزاحم كما لو دل أحدهما على وجوب الظهر والآخر على وجوب الجمعة فتكون أدلة الاعتبار والحجية بالنسبة إلى الأمارات المتعارضة كأدلة الأحكام بالنسبة لأفرادها المتزاحمة وهذا لا فرق فيه بين البناء على السببية أو الطريقية. وأما دعوى ان العلم الإجمالي بكذب أحدهما يزيل المناط في حجيتهما وهي الكاشفية عنهما فهي باطلة، فإن المناط هو غلبة الكاشفية لا الكاشفية نفسها عن الواقع سلمنا لكن هي حكمة لجعل الحجة ولا ريب عدم اعتبار الاطراد في الحكمة وإنما الاطراد معتبر في العلة على انه لو كان الأمر كذلك لزالت الكاشفية والطريقية عن سائر الأمارات للعلم الإجمالي بكذب الكثير منها والحال ان صفة الكاشفية موجودة في كل واحدة منها فإن صفة الكاشفية متقومة بالحكاية عن الواقع مع احتمال المطابقة وهما موجودان في كل واحد من الأمارتين فلو أخذ بأحدهما كانت حاكية عن الواقع مع احتمال مطابقتها له. نعم العلم التفصيلي بكذب أحدهما مزيل للكاشفية عن الواقع لانه به يزول إحتمال المطابقة للواقع على ان الملاك بناءاً على الطريقية هو غلبة الوصول إلى الواقع عند المشهور ومن المعلوم ان الغلبة المذكورة توجد في النوع وقضية ذلك عدم سقوط الأمارة عن الاعتبار لو وقع التعارض بين الأفراد لوجود مناط الاعتبار فيهما وهي غلبة الإيصال في نوع المتعارضين فكل منهما حين المعارضة متصف بتلك الغلبة