التعارض و التعادل و الترجيح - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٢٠٠ - وتحقيق الحق
موجب لحدوث المصلحة الملزمة لإنشاء الحكم على طبقها فأنشأ الوجوب بالعمل بها وسن القانون بوجوب متابعتها فإذا وجد منها فردان لا يمكن العمل بهما وقع بينهما التزاحم فيكون كل منهما واجباً سلوكه وجوباً فعلياً لأن قضية سببية الخبرين للحكمين كان نظير ابتلائه بموضوعين لحكمين في كونهما سبباً لحدوث حكمين فعليين عجز عن امتثالهما معاً نظير ما إذا حصل عنده إحراق نار لمؤمن وغرق في ماء لمؤمن آخر فإن كل منهما سبب لحدوث حكم فعلي وهو وجوب الإنقاذ عليه ولكنه عاجز عن امتثالهما معاً. والحاصل انه بناءاً على السببية يكون قيام الأمارة تمام الموضوع للحكم على طبقها نظير حصول الموضوع لحكم شرعي وعلى هذا يكون التنافي بينهما في مقام الامتثال لا في مقام التشريع إذ التشريع كان للطبيعة بوجودها السعي العام ويترشح لكل فرد منها ذلك الحكم ولكن الإطاعة ليست راجعة للمشرع بل هي يرجع أمرها إلى عقل العبد كيفية وكمية ونظير ذلك إنقاذ الغريق المؤمن فإن الشارع لما رأى فيه مصلحة ملزمة أوجبه على المكلفين فإذا ابتلى بفردين منه كان كل منهما واجباً ويمنع من وجوب الآخر وليس ذلك موجباً لذهاب المصلحة الملزمة منهما لانه منع تبعي لا أصلي وإن شئت قلت ان الأمارة بناءاً على السببية إذا قامت على شيء نظير الاضطرار إليه إذا حدث فيه توجد مصلحة ملزمة له فإذا وجدتا إمارتين متعارضتين كانتا نظير ما إذا اضطر إلى شيئين لا يمكن الجمع بينهما وليس ذلك يوجب سقوط الاضطرار إليهما، ومنع أحدهما عن الآخر منع تبعي للوجود، لا يقتضي مصلحة أو مفسدة مغايرة للوجود، وعليه فالعقل يتخير بينهما لدوران الأمر بين محذورين ففي صورة قيام الأمارتين على أمرين متنافيين بناءاً على السببية يكون الأمر كذلك، وأما كون أحدهما تدل على وجوب شيء والأخرى على حرمته إنما يقتضي وجود المصلحة الملزمة في الوجود والمصلحة الملزمة في الترك فهما سببان للحكم في محلين أحدهما وجود الشيء والثاني تركه وهما سببان لحكمين في محلين وطالما يكون الشيء في وجوده مصلحة وفي تركه مصلحة. نعم في هذا الفرض من التعارض أعني ما دل على وجوب الشيء وما دل على حرمته بناءاً على السببية يكون ذلك من اجتماع الأمر والنهي في محل واحد وهو فعل ذلك الشيء فانه يكون محرماً وواجباً كالفعل