حكمت نامه عيسى بن مريم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٨٦ - ٥/ ١ دنيادوستى
فَدَعا عِيسى عليه السلام رَبَّهُ، فَنُودِيَ مِنَ الجَوّ أَن نَادِهِم. فَقامَ عِيسى عليه السلام بِاللَّيلِ عَلى شُرُفٍ[١]
مِنَ الأَرضِ، وَقالَ: يا أَهلَ هذِهِ القَريَةِ! فَأَجابَهُ مِنهُم مُجِيبٌ: لَبَّيكَ يا رُوحَ اللَّهِ وكَلِمَتَهُ.
فَقالَ: وَيحَكُم ما كانَت أَعمالُكُم؟! قالَ: عِبادَةُ الطّاغُوتِ وحُبُّ الدُّنيا، مَعَ خَوفٍ قَلِيلٍ، وأَمَلٍ بَعِيدٍ، وغَفلَةٍ فِي لَهوٍ ولَعِبٍ.
فَقالَ: كَيفَ كانَ حُبُّكُم لِلدُّنيا؟ قالَ: كَحُبِّ الصَّبِيِّ لِامِّهِ؛ إِذا أَقبَلَت عَلَينا فَرِحنا وَسُرِرنا، وَإِذا أَدبَرَت عَنّا بَكَينا وَحَزَنّا.
قالَ: كَيفَ كانَت عِبادَتُكُم لِلطّاغُوتِ؟ قالَ: الطّاعَةُ لِأَهلِ المَعاصِي.
قَالَ: كَيفَ كانَ عاقِبَةُ أَمرِكُم؟ قالَ: بِتنا لَيلَةً فِي عافِيَةٍ، وأَصبَحنا فِي الهاوِيَةِ.
فَقالَ: وما الهاوِيَةُ؟ فَقالَ: سِجِّينٌ. قالَ: وما سِجِّينٌ؟ قالَ: جِبالٌ مِن جَمرٍ تُوقَدُ عَلَينا إِلى يَومِ القِيامَةِ.
قالَ: فَما قُلتُم وما قِيلَ لَكُم؟ قالَ: قُلنَا: رُدَّنا إِلَى الدُّنيا فَنَزهَدَ فِيها، قِيلَ لَنا:
كَذَبتُم.
قالَ: وَيحَكَ، كَيفَ لَم يُكَلّمنِي غَيرُكَ مِن بَينِهِم؟!
قالَ: يا رُوحَ اللَّهِ، إِنَّهُم مُلجَمُونَ بِلِجامٍ مِن نارٍ بِأَيدِي مَلائِكَةٍ غِلاظٍ شِدادٍ، وإِنِّي كُنتُ فِيهِم وَلَم أَكُن مِنهُم، فَلَمّا نَزَلَ العَذابُ عَمَّنِي مَعَهُم، فَأَنا مُعَلَّقٌ بِشَعرَةٍ عَلى شَفِيرِ[٢]
جَهَنَّمَ، لا أَدرِي أُكَبكَبُ فِيهَا أَم أَنجُو مِنهَا.
فَالتَفَتَ عِيسى عليه السلام إِلَى الحَوارِيّينَ، فَقالَ: يا أَولِياءَ اللَّهِ، أَكلُ الخُبزِ اليابِسِ بِالمِلحِ
[١]. الشّرف: العلوّ، والمكان العالي( الصحاح: ج ٤ ص ١٣٧٩« شرف»).
[٢]. شفير جهنّم: أي جانبها وحرفها( النهاية: ج ٢ ص ٤٨٥« شفر»).