العباس بن علي عليه السلام - البغدادي، محمد - الصفحة ١٤٠ - آخر الشهداء
وقد اعتذر الحر فيما بعد ــ عند توبته ــ للإمام عليه السلام بأنه لم يكن يتوقع أن تبلغ الأمور هذا المدى، فكان يتصور أن المسألة ستحسم سلمياً بشكل ما وينتهي الأمر فلا يصح منه الاصطدام بالدولة من أول فيتعرض لنقمتها.
ويحتمل قوياً أنه ــ إضافة إلى ما تقدم ــ اطلع على تفاصيل الموضوع من استغاثة أهل الكوفة بالإمام وأن قدوم الإمام كان بناءً على رغبتهم واستدعائهم ومبايعتهم، ورأى عائلة الإمام من نساء وصبية بصحبته، ورأى رجال بني هاشم وشبابهم وأطفالهم، ورؤياهم وصحبتهم والحديث معهم له أثر نفسي عميق لما يُرى من سمو أخلاقهم، وتمثل الكتاب والسنة في سلوكهم، وتجده يتأمل في قربهم من رسول الله، ثم لعله استمع إلى أحاديث الإمام المبينة لمقامه عند الله ورسوله، إلى غير هذه من المشاهد والسماعيات التي تؤثر تأثيراً عميقاً في نفسية كل إنسان، كل هذا جعله يحاسب نفسه ويراجع قناعاته ويغير موقفه فيتحول من عنصر قيادي في جيش الدولة الطاغوتية المتجبرة إلى أصغر جندي في جيش الحسين وفي ظرف ليس فيه احتمال للنجاة والحياة؛ إذ إنه تحول بعد مناقشة مع عمر بن سعد أوضحت له حتمية المعركة وبعدما قطع بتصميم الفئة الحاكمة لإبادة الحسين وصحبه، إذ قال لسعد: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.
قال: أفما لكم فيما عرضه عليكم رضا؟ قال عمر: أما لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكنّ أميرك قد أبى[١٣٨].
فمدخلية الحر في تحقيق هذه الفاجعة جعلت منه يتقدم الصفوف ويفتدي
[١٣٨] الإرشاد للشيخ المفيد: ج٢، ص٩٩.