رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨٧ - في التكلّم في الآيات التي توهّم دلالتها على الاضطرار

الرابع: الهداية بمعنى توجيه مقتضيات الخير والعبودية على نحو غير منافٍ لاختياره، كتولّد العبد في الجامعة الفاضلة ومن أبوين تقيّين، أو فقدان أسباب المعصية وأمثالها ممّا يكون دخيلاً في توجّه العبد إلى الخيرات وإعراضه عن الشرور، لا كدخل العلل التامّة بل العلل المعدّة في معاليلها.
فإذا عرفت المقدّمة تظهر لك منها نتيجتان:
الاُولى: ارتفاع الاختلاف عمّا يتراءى عن بعض الآيات في بادئ النظر حيث دلّ بعضها على أنّ اللََّه تعالى هدى الناس أجمعين، ودلّ بعضها الآخر على أنّه إنّما هدى البعض دون بعض، فإنّ ما دلّ على هداية جميع الناس ناظرة إلى المعنى الثاني، وما دلّ على اختصاصها ببعض دون بعض ناظرة إلى المعنى الرابع.
الثانية: ما نحن بصدده من الجواب عن الآيات الظاهرة في استناد الهداية والضلالة إلى مشيّته، وهي تعلّق المشيّة بتوجيه تلك المقتضيات إلى العبد إن شاء هدايته وسلبها عنه إن شاء ضلالته، وذلك من دون منافاة بين هذا التعلّق واختيار العبد.
السادس: الآيات التي ادّعيت صراحتها في اضطرار العباد في أفعالهم وتروكهم، كقوله تعالى في سورة الأنفال: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللََّهَ رَمَى)[١].
والجواب عنه بالحلّ أوّلاً، وبالنقض ثانياً.
أمّا الحلّ فبالنظر إلى مورد نزول الآية الشريفة، حيث إنّها نزلت في غزوة بدر على ما عن المفسّرين، مستندين فيه إلى الروايات الواردة في المقام، منها ما نقله الفيض في الصافي عن القمّي «أنّ قريشاً لمّا جاءت بخيلائها أتاه جبرئيل فقال: خذ قبضة من التراب فارمهم بها، فقال لعلي (عليه السلام) أعطني قبضة من حصاة

[١] الأنفال ٨: ١٧.